عين على القرآن وعين على الأحداث

القرآن الكريم يستطيع أن يكشف لكل أمة واقعها

|| من هدي القرآن ||

 

بعد أن أخبر الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) بأنه سيأتي بعده فتن كقطع الليل المظلم على هذا النحو هل سكت؟ هو من هو حريص على هذه الأمة أن يرشدها أن يبصرها حتى وإن كان في آخر أيامه، والمرض ينهك جسمه، والموت يدب في أعضائه، ما يزال يحمل حرصاً على هداية أمته.

من خلال الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) سنعرف ما هي هذه القناة، ومن خلال القرآن أيضاً. وأولاً نعرف ما هي هذه القناة التي نعطيها أهمية كبرى أولاً، الله قال في القرآن الكريم يتحدث عنه بأنه هدي {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الاسراء: من الآية9) {هُدىً لِلنَّاسِ} (البقرة: من الآية185) {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} (المائدة: من الآية16) سبل السلام، سلام من ماذا.؟ السلام من الضلال السلام من الهلاك، السلام من الخزي، السلام من العار، السلام من جهنم.

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (الأنعام: من الآية153) في أكثر من آية يذكر الله سبحانه وتعالى أن هذا القرآن هو هدى {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} (البقرة: من الآية2) {هُدىً لِلنَّاسِ}، إنه الهدى الذي قال عنه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} (طه: من الآية123).

 

أثناء الفتن وعند تراكم الفتن هذه التي كقطع الليل المظلم ما الذي يحدث؟ ليست الخطورة فيها في أنه كم قتلى يحصل هنا، كم دمار يحصل هناك لأنه قال فيها، يبين وجه الخطورة فيها على أمته ((يمسي المرء مؤمناً ويصبح كافراً, يصبح مؤمناً ويمسي كافراً)) أي الخطورة فيها خطورة تضليل رهيب والتباس في الأمور، وضلال رهيب، وضلال دقيق، ويأتونك من بين يديك، ومن خلفك وعن يمينك، وعن شمالك {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} (طه: من الآية124).

ألم يقل الله بأن هذا ذكر؟ {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} (طه:124) لماذا يحشر أعمى؟؛ لأنه كان ضالاً عندما أعرض، أعرض فضل. {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ} (طه: من الآية127) هكذا يكون جزاؤه أن يحشر يوم القيامة أعمى، وأن يعيش في الدنيا عيشة ضنكا.

الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) يقول في حديث رواه الإمام علي (عليه السلام) , عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال سمعت رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) يقول: ((ألا إنها ستكون فتنة .. فقلت ما المخرج منها يا رسول الله؟. قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم)).

قلنا أكثر من مرة بأن القرآن الكريم يستطيع أن يكشف لكل أمة واقعها، يستطيع أن يكشف لك الواقع.

((فيه خبر ما بعدكم)) خبر ما سيأتي بعدكم لكن ليس على سبيل الإخبار التاريخي بأنه سيأتي في عام كذا وكذا يحصل كذا وكذا .. لا. بطريقة أخرى بطريقة أخرى لا يستطيع أحد أن يعملها.

 

((ألا إنها ستكون فتنة .. فقلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟. قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم)) ونبأ ما قبلنا فيه عبرة ودروس لنا في مقام الهداية {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (يوسف: من الآية111).

((وخبر ما بعدكم، وحَكَم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل)) فيجب أن نتعامل مع القرآن بجدية، هو فصل في كل القضايا، فصل في مقام الهداية يرشد للتي هي أقوم.

((ليس بالهزل)) هو كتاب عملي, كتاب عملي، كتاب للحياة، كتاب للنفوس، كتاب للهداية، ليس فيه مفردة واحدة لا تعطي هداية، ليس فيه آية واحدة لا تعطي هداية، حتى تلك التي يقول عنها أصحاب الناسخ والمنسوخ, أو أصحاب [قواعد أصول الفقه]: هذه الآية منسوخة. ما الحكمة من بقائها؟ قال: لمجرد التعبد بتلاوتها. ليس من هذا القبيل كتاب الله، كل مفردة فيه فيها هداية كبرى، كل آية تهدي هداية، أحياناً تفتح كثير من الآيات أبواباً واسعة من أبواب الهداية.

((من تركه من جبار قصمه الله)) حتى وهو جبار متى ما ترك القرآن يتعرض لأن يقصمه الله، فكيف بأولئك المستضعفين الذين ليس لديهم ما يحميهم إذا ما تركوا القرآن سيُقصمون سريعاً على أيدي الجبارين، هذا هو جبار أي يمتلك قدرة أن يحمي نفسه بل هو من يتسلط على الآخرين متى ما ترك القرآن فإنه يتعرض هو لأن يقصمه الله. لكن هناك سنن ثابتة في القرآن الكريم في قصم الجبارين.

 

((ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله)) حتى عندما تعرف الواقع الذي أنت تعيش فيه، وتعرف المرحلة السيئة التي أنت تعيش فيها، والضلال الذي ينتشر من يمينك وشمالك، وأنت هناك من يهتم بنفسه فتبحث عن الهدى، وإن كان لديك حرص كبير على أن تهتدي فإنك عندما تبحث عن الهدى في غير القرآن، وعن غير القرآن تضل، بل يضلك الله، وكلمة: ((ابتغى)) يعني طلب الهدى .. من الذي يطلب الهدى؟؟. من يشعر بحاجة إلى الهدى، حتى من يشعر بحاجة إلى الهدى متى ما انطلق ليهتدي من هنا أو من هنا سيضل.

((وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء)). متى ما اختلفت الألسن وهي تتلوه، متى ما اختلفت الألسن وهي تعبر عنه لا يؤثر هذا عليه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9). وما أكثر ما حصل من التباس الألسنة حول القرآن الكريم، التباس رهيب على أيدي المفسرين، على أيدي أصحاب فنون كثيرة من الفنون التي يقال بأنها تخدم القرآن الكريم، التباس كثير حصل، ولكن القرآن ما يزال هو, هو, لا يمكن أن يمسه أحد بسوء، ولا يزال هو هو يرفض كلما يلصق به مما لا ينسجم معه.

((ولا يشبع منه العلماء)) لا يشبع منه العلماء؛ لأن فيه المعرفة الواسعة، هو بحر لا يدرك قعره.

لكن أصبحنا في موقف عجيب، الشخص منا متى ما كان فقيراً يقول للآخرين: ما معي إلا الله. أليس هكذا يقول؟ يقال للشخص الذي يتعلم القرآن: أنت بتقرأ؟ أنت تتعلم؟ يقول: نعم. في ماذا؟ يقول: في القرآن، أتعلم حصة في القرآن. وماذا؟ أليس الواحد يقول: وماذا هل معك شيء آخر، لم يعد هنا شعور بأن القرآن يكفي إلى درجة أنه لا يشبع منه العلماء. ومن العلماء؟. العلماء الذين يغوصون في أعماق أعماقه، لا يزالون مهما عُمِّرُوا لا يشبعون منه. أي هو بحر علوم.

 

((ولا يَخْلَقُ على كثرة الرّد)) مهما تردد الحياة تتردد من حولك وتتغير، وتحدت أحداث متعددة والقرآن كلما ترجع إليه يفيدك يعطيك هدى، يكشف لك شيئاً .. كل يوم ترجع إليه. أليست الحياة هكذا تتحرك؟ الحياة كلها تتحرك متغيرات تطرأ، أحداث تطرأ، القرآن يكشف لك الكثير الكثير عنها، وكيف تنظر إليها، وكيف تتعامل معها.

((ولا تنقضي عجائبه)) حكم عجيبة يعطيها، أمور عجيبة يكشفها، سبل عجيبة يهدي إليها قيم عجيبة.

أيضاً ((هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} (الجن: من الآية2))) هؤلاء جن [قُبَلِيين] على ما بنقول نحن: قُبَلِي. {فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} (الاحقاف:30) كذلك قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباًً} عجيب فيه العجائب، {يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ}.

حاولوا أن تربطوا أنفسكم في عملكم هذا بالقرآن وأنت ترشد حاول أن تدور حول القرآن وتنزل القرآن للناس وتعرض آياته للناس وتذكرهم به؛ لأنك هنا لن تقع في باطل، لن تقع في باطل إذا كنت تقول به، وليس تتقوّل عليه. هناك من يرجع إلى القرآن ولكنه يتقوّل على القرآن من منطلق عقائد فاسدة لديه، أو قواعد باطلة ينظر من خلالها إلى القرآن الكريم فيصبح مُتَقَوِّلاً عليه، لكن لا.

((من قال به صدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حَكَم به عدل)) فيعني ضمانات هذه مادمت تتحرك في إطار القرآن فكل شيء يأتي من عندك سيكون صحيحاً، عندما تقول به تصدق، تعمل به تريد الأجر من الله يحصل لك أجر، تحكم به تعدل.

 

((ومن دعا إليه فقد هَدى إلى صراط مستقيم)) ألسنا بحاجة إلى أن نهتدي إلى الصراط المستقيم؟. إذاً فالقرآن الكريم هو فعلاً القناة التي يجب أن نتلقى منها البينات التي يجب أن نهتدي بها في هذا العصر. في هذا العصر الذي تحدثنا عنه, عن واقعه, وعن واقعنا فيه, وعن وضعيتنا فيه. نحن قلنا: مما نعاني منه الملل, أو تساؤلات بالمقلوب.

 

 

سورة المائدة الدرس الثالث