عين على القرآن وعين على الأحداث

الخشيةُ الأمريكية من تحقيق توازُن الردع

|| مقالات || صلاح الدكاك

 

لا يزالُ مشروعُ القرار البريطاني مجهولاً حتى اللحظة، وأعتقدُ أنه يتضمنُ (إدارةً دوليةً للحديدة بقرار أممي) بناءً على فرضية أن طرفَي الصراع غيرُ قادرَين على الحسم عسكريّاً، وهذه الإدارةُ البديلةُ هي الأسلمُ لمصالح اليمن والعالم بحسب ما سيوردونه من مسوّغات لها.

 

ولقد كانت تصريحاتُ المسؤول الأمريكي برايان هوك تصب في ذات الاتّجاه وهو استمالة تحالف دولي بقيادة أمريكا بدافع الحفاظ على أمن البحر الأحمر الذي بحسب التسويق الأمريكي يعد مهدّداً من البر اليمني لعاملين (النفوذ الإيراني حد تعبيرهم وعجز الشرعية والتحالف عن تحقيق حسم عسكريّ) وهذا يجعل اليمن دولة فاشلة ينبغي وضعها تحت الانتداب الدولي على الأقل الجغرافيا المتاخمة للماء وممر الملاحة الدولية، وهذا هو زبدة ما يستهدف الأمريكيون بتحالف العدوان تحقيقه منذ البدء.. أي احتلال المثلث المائي البحري بين الأحمر والعربي بزاويته الحساسة باب المندب وكان تحقيق ذلك لو تم سيضعُ الصينَ وإيران وروسيا والهند تحت الأمر الواقع.

 

ولأَنَّهم عجزوا عبر التحالف في تحقيقه يحاولون الآن استثمارَ عجزهم العسكريّ وصمودَ جيشنا ولجاننا كوضعٍ غير مريح لجهة الملاحة الدولية ومهدِّدٍ لها؛ سعياً لمشاطرة الصين والدول الأُخْــرَى نفوذاً بقرار أممي وبقيادة أمريكية دون حساب لأصحاب الأرض، وهم يغازلون حتى إيران في هذا السيناريو؛ طمعاً في تحييدها وجَرِّها لمربَّع رؤيتهم بدافع أن ذلك يدرَأُ الخطرَ الداهمَ على أمنه.

 

وهذا مستحيلٌ بالتأكيد، فإيرانُ لا يمكنها التماهي مع هذه الأجندة التي يحضُرُ فيها أمنُ إسرائيل كمحور في هذا السيناريو مستهدف بدرجة رئيسة، كما أن الصين وروسيا لا يمكنها الذهابُ لتحالف يضر بصلاتها الاستراتيجية مع إيران كلاعب وازن ومستقل في الشرق الأوسط.. أعتقد أن الرفضَ الصيني والروسي لمشروع القرار جعل بريطانيا تؤجّل طرحَه وشرعت أمريكا في إشهار الـ(ناتو العربي الإسرائيلي الآسيوي الذي صرحت بنيتها في تشكيله كحلف مواجِه لإيران ومحور المقاومة).

 

لم تستطعْ لندن انتزاعَ تعهُّدات إيرانية بالضغط على صنعاء؛ لأَنَّ طهران لا تقارب الصراع في هذه الجزئية من زاوية نفعية بل وجودية مبدئية كما أن صنعاءَ ليست رهينةً في قرارها العسكريّ والسياسيّ حتى لمحور المقاومة بل هي تراعي تحقيقَ نصر متوازِن يحقّق المصلحةَ الوطنيةَ اليمنية ومصالح الأمة، لا سيما أن إسرائيل هي لاعبٌ محوري في العدوان وتستهدف تعزيزَ سيطرتها على قناة السويس بالسيطرة على باب المندب وخنق وتقويض المتغير الثوري اليمني وخنق إيران.

 

وثمة أمرٌ مهمٌّ ينبغي الإشارةُ إليه في حديث هوك وهو الخشية الأمريكية من قدرة الأنصار على تحقيق تفوق ردع يتمثل في الإطاحة بطائراتهم لا سيما وقد أمكن لنا تحقيقُ توازن ردع يتمثل في الصواريخ والمسيّرات مقابل الإف 16، وهو ما يعجز الأمريكيون عن التعايش معه؛ لذا فضّلوا الدفعَ بعملية تشاورية مفخَّخة بما ذكرتُ آنفاً؛ ولأنهم وُوجهوا بصلابة مفاوضينا فإنّهم يستشعرون الآن خشيةً من انهيار توازن الردع القائم فهذا إن حدث سيضرب وزنَ أمريكا كلياً في مضمار تفوقها العسكريّ الاستراتيجي لصالح معادلة دولية إقليمية جديدة لا تحضر فيها كقُــوَّة مطلقة وأُحادية مهيمنة بلا منازع.