عين على القرآن وعين على الأحداث

الأمة الوسط في القرآن هي الاقوى والأفضل

|| من هدي القرآن ||

 

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطا} (البقرة: من الآية143) هذا صار خطاباً لمن؟ للمسلمين، خطاب بالذات للعرب، خطاب للعرب أنفسهم من البداية، وخطاب موجه بشكل رئيسي لقريش، دائرة الأسر التي تلتقي مع رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) بالجد الأقرب يشملهم اسم: قريش. المسألة عبارة عن دوائر: دائرة قريش، داخلها دائرة بني هاشم، داخلها دائرة أقارب رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) بعد دائرة قريش دائرة العرب.

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا} (البقرة: من الآية143) هذه الآية هامة، جداً والكلام حولها بتحريف لمعناها، وتقديمها بشكل يخلق قابلية أن يجرد الأمة عن شهادتها قد {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} كلمة وسطاً لا تعني: عدول، أو تعني .. في آيات أخرى تبين ماذا يعني، أوسط في اللغة العربية، أوسط تعني: أفضل، تعني، أمة من أوسط الأمم، من أفضل الأمم، مهيئة لأن تحمل هذه الرسالة، وتكون في نفس الوقت شاهدة على الناس، الشهادة هنا ليس فقط في موضوع أنهم يشهدون يوم القيامة بأنه قد جاء نبي وبلغ، الشهادة بتجسيدهم للدين، وقيم هذا الدين، وتمثيلهم لهذا الدين.

 

هذا دين عظيم جداً تتجلى من خلال وسط معين من الناس أمة معينة، تتجلى قيمه ومثله ومبادئه بشكل جذاب جداً؛ ليكون شاهداَ على عظمة هذا الدين أمام الآخرين فينجذب إليه، وتقوم الحجة على الآخرين به؛ لأن الكثير قد يقولون: مجرد نظرية، وأي نظرية لم يشهد لها الواقع في حياة الناس، لأن هذا هو المحك، هو المحك واقع الحياة، واقع الأمة، روحية الأمة، نفسية الأمة، أفرادها الذين يحملون هذه النظرية، يتجلى من خلالهم ماذا؟ مدى إيجابية هذه النظرية، أو سلبيتها بالنسبة للدين. هذه القضية لم يغفلها، موضوع أنه لا بد من دائرة تمثل قيم هذا الدين، ويتجسد فيها هذا الدين فتمثل بهذا شهادة على الناس بعظمة هذا الدين، فتقدم نموذجاً على أرقى مستوى {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} (البقرة: من الآية143) أي تكون عملية متبادلة عندما تعرف عظمة هذا الدين، كلما عرفت عظمته، كلما وجدت في شخصية الرسول (صلوات الله عليه وعلى آله) وفي حركته شهادة أيضاً على عظمة هذا الدين نفسه.

 

دائماً تفسر هذه فيما أعرف بأنه: الشهادة على الآخرين، الشهادة على الأمم بأنه قد وصلتهم الدعوة، أو وصلهم البيان، أو وصلهم أخبار النبوة! وهذه هي المهمة هنا، وهي نفس القضية الأساسية أنه: التأهيل، الإصطفاء، هي مسئولية {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً} ليس عبارة عن وسام هكذا، أي: أنهم يقدمونها وكأنها عبارة عن وسام، لا، المهمة هنا المسئولية {لِتَكُوْنُوْا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} تحت هذه الكلمة أشياء كثيرة جداً {لِتَكُوْنُوْا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} الإلتزام بهذا الدين، الإهتمام بهذا الدين، تجسيد قيمه، الجهاد في سبيل إعلاء كلمته؛ لأنه أيضاً يحصل من خلال هذه أن يكون الناس محطاً للتأييد الإلهي أن يتلمس جانب هذه الأمة أشياء هي فعلاً تشهد بأن هذه الأمة على صراط مستقيم، وأن هذا الدين الذي تدين به هو دين عظيم، فهذه قضية هامة جداً: أنه لا بد من إناء، لا بد من محيط ليكون محطّاً للتأييد الإلهي.

هذه القضية معروفة حتى فيما يتعلق بالرزق أليس الإنسان يحتاج يعمل له [جربة] يجمع لها تراب حتى يمكن يعمل فيها زرع؟ أليس الواحد يحتاج يعمل للمطر الذي ينزل من السماء يعمل له مشرب يجمعه حتى يجري إلى هناك؟ لا بد من دائرة، لا بد من محيط مكون من أمة، من مجاميع المؤمنين ينطلقون انطلاقة صحيحة، يعتبرون محطاً للتأييد الإلهي، التأييد الإلهي لا يأتي مبعثر: مؤمن هناك، ومؤمن هناك، وواحد هناك، وواحد هناك! سترى كل واحد يصيح مكانه فقط، لكن إذا كانوا عبارة عن محيط واحد، هنا سيكونون محطاًً للتأييد الإلهي، يتجمع التأييد الإلهي مثلما ماذا؟ تأتي تجمع لك مشرب تصلحه من هناك يلتقي القطرات التي تنزل من السماء حتى تصب في [جربتك] يحصل فيها زرع وتثمر.

 

ليست الوسطية معناها: بين اليهودية والنصرانية، بين التشدد واللين يسمونه: اعتدال، وسطية، لا، ليست بهذا الشكل؛ لأنك عندما تلحظ إلى كيف يجب أن تكون هذه الأمة التي قال: إنها أمة وسطاً في مجال أن تقوم بالمهمة التي تجسد ماذا؟ الشهادة على الناس معناها: أمة يجب أن تكون متوحدة، أن تكون قوية، أن تكون أفرادها أولي بأس شديد، بإخلاص لله عالي، بالإلتزام بهذا الدين، أشداء على الكفار، أعزاء على الكافرين؛ هذا معنى أمة وسطاً، كيف قال عنهم هناك: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ} (الفتح: من الآية29) أليس الذين معه هنا على أساس أنهم أمة وسطاً؟ إن القرآن ورسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) هم يربون الأمة الوسط كيف تكون لتكون شاهدة على الناس، ألم يربهم على مستوى أن يكونوا أقوياء {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}؟ (الفتح: من الآية29) هذه الأمة الوسط هي التي قال لها: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} (التوبة:29) هذه وسطية، هو الذي يقول لهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} (الأنفال:15) هذه وسطية الإسلام، أو الأمة الوسط غالباً تكون هكذا: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} (الأنفال: من الآية12) {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} (التوبة: من الآية111) {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} (البقرة: من الآية207).

 

هذه هي الأمة الوسط، ليست الأمة الوسط أن يقال: أمة ليست حول أن تكون شديدة على الكافرين، ليست شديدة على أعداء الله، ليست شديدة في ذات الله، قوية في ذات الله، في تجسيد دينه، في العمل لإعلاء كلمته، هذه لا يصح أن يقال لها أمة وسطاً، هذه أمة منحطة، تسمى أمة منحطة، ليست أمة وسطاً، كلمة وسطاً {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة: من الآية143) أي أن الله عندما اختار أن يكون هذا الرسول منهم فهو جعلهم، ما معنى جعلهم؟ مسألة [جعل] هذه قد لا تعتبرها مرتبطة بعشر سنين، أو بعشرين سنة أحياناً قد تكون قروناً من الزمن، عملية قرون من الزمن، رعاية إلهية حفاظ إلهي على أشياء معينة بحيث أن يكونوا مهيئين لأن ينهضوا بهذه الرسالة، أن يكونوا صالحين لأن يكونوا جنوداً لها، من قبل البعثة، من قبل ربما أن يولد جد رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله) ثم أثناء المسيرة في التربية التي تقدم لهم، في التوجيه الذي يقدم لهم، القيادة التي تقدم لهم.

 

الأمة الوسطية يجب أن تكون قيادتها عالية على هذا النحو الذي يحكيه الله في القرآن الكريم ستأتي الآية بعد بالنسبة للأمة الوسط كيف قيادتها هنا: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة} (البقرة: من الآية151) أليست هذه قيادة على مستوى عالي من القوة في ذات الله، من القوة في مواجهة أعداء الله؟ هذه الأمة الوسط، وقيادات الأمة الوسط، ومنهج الأمة الوسط هو هذا القرآن الكريم، عندما يأتي أناس يحملون علماً، باسم علم، ويحرفون كتاب الله كما حرف بنوا إسرائيل كتبهم، ويحرفون المعنى: [لا، الوسطية: الإعتدال، الوسطية تعني ماذا؟ أسلوب لا يكون فيه شدة، ولا مهاجمة للآخرين، ولا استعداد لمواجهة الآخرين ولا .. ولا .. ولا … !] أليس هذا يعتبر سخافة؟ يعتبر هذا كفر بالنعمة العظيمة هذه التي هي القرآن الكريم، التي تبني الأمة الوسط.

 

نقول بكل تأكيد: إن الأمة الوسط هي الأمة التي يبنيها القرآن، الأمة الوسط هي الأمة التي تبتني على أساس القرآن، وتتبنى المواقف التي يهدي إليها القرآن، هذه هي الأمة الوسط. ماذا يعني الوسط؟ أفضل، أمة أفضل، أمة تكون ماذا؟ تكون مؤهلة لأن تقوم بهذا الدور {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (البقرة: من الآية143) من الشهادة على الناس، أن يكونوا أولي بأس شديد، وأن تكون أولي بأس شديد يعني أنت مؤمن بالقضية التي أنت فيها، أنت تغضب لها، أنت منشد إليها، وهي قضية في حد ذاتها جذابة جداً؛ لأن هذا شيء عجيب جداً لا يمكن أن يحظى أي منهج آخر بهذه الحالة التي تبدو وكأنها مجموعة من النقائض، أو من المتناقضات أن يقول لهم: كونوا أشداء على الكفار، كونوا أولي بأس شديد، اضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان، في مسيرة دين هو للكل إلا لأن هذا الدين هو عظيم يجعل لهذه الظاهرة نفسها جاذبية لهذا الدين نفسه؛ لأنه عندما أرى هناك أمة قوية جداً، متماسكة جداً هي تشكل أملاً عندي، ومنهجيتها صحيحة، إذاً أنا عندما أقارن بين وضعيتين، ومجتمعين وبينهم سأرى هذه الأمة أنجذب إليها، أمة تشد الإنسان، أمة تقف مع الإنسان.

أحياناً قد تكون من الأشياء التي لا تجعل لأمة معينة أي قيمة عندما ماذا؟ لا تكون هي ذات فاعلية في مواجهة أطراف أخرى حتى ولو هي أمة مؤمنة أنها بهذه الطريقة وحدها تفقد جاذبية الدين الذي تدين به، الطريقة التي هي عليها: [هؤلاء أناس لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً، لا يمثلون شدة ظهر في شيء، لاحظ كيف هم ضعاف أمام أي عدو آخر] عندما يظهر هؤلاء أقوياء، أشداء، أمة قوية أي يعتز أي شخص ينتمي إليها يشعر بعزة يشعر برفعة يشعر بقوة.

 

لهذا كانت هذه الخصلة نفسها التي الآن يحاولون … ، إضافة إلى أنها قد ضاعت في وسط الأمة، أشداء على الكافرين، أن يكونوا أعزاء على الكافرين، قد ضاعت، ومع هذا يحاولون أن يقدموها كثقافة يدينون بها أي: أن تعتقد أن الأمة الوسط هي هذه الأمة التي لا تمثل أي شدة، ولا قوة على أعداء الله، لم يكف انحراف عملي، وإنما يقدمون انحرافاً عقائدياً يدين الناس به، ويفهمونه بشكل خطأ، ويعتقدون أن هذا هو معنى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة: من الآية143) هكذا ينتهي الضلال إلى أن يقدم الضلال العملي، الإنحراف العملي يحاط بماذا؟ بعقيدة أنه دين تدين به، هذا تحريف خطير جداً لآيات الله، تحريف في المعنى، في المضمون، في تقديم هام بهذا الشكل السيء!

نقول: نحن فعلاً أمة وسطاً ونتمنى أن نكون أمة وسطاً، والأمة الوسط هي: التي تبتني على أساس القرآن، ومواقفها قرآن، هي الأمة التي قال الله {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} (البقرة: من الآية143) أنه يجعلها، وهذه طريقة من طرق أن يكون هناك أمة وسطاً، القرآن الكريم، وليس الوسط معناها بين شيئين، بين اليهودية والنصرانية، اعتدال ليس يهودياً ولا نصرانياً، لديه ملعقة يهودة وملعقة نصرنة وقليل إسلام فوقها خلطة!

هذه قضية نركز عليها في مسألة هذا الموضوع نقول: فعلاً نحن أمة وسطاً لكن نعتقد أن الأمة الوسط: هي الأمة التي تنطلق على أساس القرآن، لا أحد يستطيع أن يقول لك: لا، يقول أبداً. إذاً الأمة الوسط أليست الأمة التي تسير على هدي القرآن، وتبتني على أساس القرآن؟ إذاً فلنكون أمة وسطاً يجب أن نسير على هدي القرآن.

 

إذا أنت تقدم لي شيئاً آخر هذه وسطية ثانية ليست هذه الوسطية التي قدمها القرآن، أنت تريد أمة تكسر من وسط ظهرها حقيقة، وسطية يكسروها من وسطها، لا تريد أمة وسطية على هذا النحو، على هذا المفهوم القرآني! فنحن نريد أن يكون الله هو الذي يجعلنا أمة وسطاً وليس أنت، والقضية هي بهذا الشكل: أن نفهم جميعاً أن الأمة الوسط ـ إذا كنا نريد أن نكون أمة وسطاً ـ أن نكون على هذا النحو: أن يجعلنا الله هو، وليس الآخرون الذين يجعلوننا أمة وسطاً، الذين يظهرون على شاشات التلفزيون، أو في كتابات معينة، أو على المنابر، لأنهم يحاولون أن يجعلوا المسلمين أمة وسطاً بمعنى آخر، أمة منحطة، أمة لا يخاف منها عدو، ولا يهاب منها عدو، ولا تمثل حماية لأي شيء، لا لدينها، ولا لمقدساتها، ولا لأوطانها، ولا لأعراضها، ولا لأنفسها.

 

الدرس السادس من دروس رمضان / ص / – 21 – 22.