عين على القرآن وعين على الأحداث

في زيارة ميدانية لأسرة الشهيد “عبدالله صلاح”: أصدقاء وأسرة الشهيد: استشهاد المجاهد عبدالله وبقاء جثمانه سليماً لعامين ونصف عام وسام توج مسيرته الجهادية

موقع أنصار الله || صحافة محلية ||  المسيرة

 

بعد استعادة أبطال الجيش واللجان الشعبية مديريةَ صرواح بمحافظة مأرب منتصف الشهر الماضي، تمكّن المجاهدون من الانتشار على مواقعَ متفرقة من المديرية، وصولاً إلى مناطق كانت على خط التماس لم يتمكّن العدوّ من المكوث فيها، وكان عددٌ من المجاهدين قد سقطوا شهداءَ خلال صدهم لزحف العدوّ في تلك المناطق في العام 2016، ولم يتسنَّ لمجاهدينا فرصةٌ لافتحامها وانتشال الجثث، كما أن العدوّ كذلك لم يلقَ فرصة للوصول إليها؛ لأَنَّ النيران من الجانبين هي من كانت تسيطر على تلك المواقع.

وبعد أكثرَ من عامين ونصف العام تمكّن أبطال الجيش واللجان الشعبية من وصول تلك المناطق عقبَ طرد مرتزِقة العدوان من غالبية جبهة صرواح، ليعثروا على جثث أربعة شهداء، وجثة شهيد آخر يبعد قليلاً عن مكان الأربعة الشهداء، إنه الشهيد المجاهد “عبدالله أحمد محمد صلاح”، الذي وُجد جثمانه الطاهر كاملاً مكملاً ولم تتغيّر ملامحه فضلاً عن أن يتعرض جسده الطاهر للتحلل والانتهاء، رغم مرور ما يزيد عن ثلاثين شهراً من بقائه تحت أشعة الشمس الحارقة والأمطار والغبار المتساقط يومياً.

جثمان الشهيد المجاهد “عبدالله صلاح” آية أخرى، تتجلى لتظهر للمخدوعين حقيقةُ مصير المجاهدين الصادقين الأطهار، الذين باعوا النفس والمال للرحيم القهار، دون أن تحمل أنفسهم ذرةً من حب للدنيا، أَو حتى الانشغال بها.

وبعد هذه الآية العظيمة، قامت صحيفة المسيرة بزيارة أسرة وأهالي وأصدقاء الشهيد في مديرية سنحان، للتعرف أكثرَ على حياته الجهادية الحافلة بالعطاء في سبيل نُصرة الدين وعزة المستضعفين، والتي جعلته يحتلُّ مكانةً عظيمة عند رب العالمين كما سائر الشهداء، وجعلت جثمانه الطاهر عبرةً وآية، ومن خلال الزيارة الميدانية لصحيفة المسيرة، خرجنا بالشيء اليسير عن حياة الشهيد، والمكانة التي كان يحظى بها في منطقته، قبل استشهاده وأين وصلت منزلته بعد استشهاده، نستعرضها في التقرير التالي:

 

المسيرة: نوح جلاس

 

الشهيد المجاهد “عبدالله أحمد محمد صلاح” المكنَّى “أبو محمد”، من مواليد العام 1980 بقرية “مسعود” بمديرية “سنحان” محافظة صنعاء، توفيت والدتُه في الأشهر الأولى من عمره، ونشأ وترعرع في مسقط رأسه، وسط بيئة زيدية محافظة.

التحق بمدرسة مسعود حتى أنهى المرحلة الابتدائية والإعدادية، ومن ثم انتقل بمفرده للعاصمة صنعاءَ لإكمال الدراسة والحصول على شهادة الثانوية العامة.

أنهى الشهيد دراستَه الثانوية والتحق بعدها مباشرةً لدراسة العلوم الشرعية في الجامع الكبير على أيدي علماء الزيدية آنذاك.

تزوّج في العام 2004، وله خمسة أطفال” محمد “14 عاماً” – أبرار “11 عاماً “– فاطمة “9 أعوام” – عبدالملك “6 أعوام” – وردة عامان ونصف”.

عُرف الشهيدُ “أبو محمد” باستقامته الخالصة وتقلده لأسمى المبادئ الدينية طيلة مراحل حياته، وهذا ما أكّــده كُـــلّ من يعرفه سواءً من أقارب الشهيد أَو من أصدقائه أَو حتى ممن كانوا معارضين له.

حيث التقت صحيفة المسيرة خلال زيارتها الميدانية لقرية مسعود بالأخ “محمد أحمد العرار” أحد زملاء الشهيد، والذي أكّــد في تصريح له أن “الشهيد عبدالله أحمد صلاح” كرّس حياته لنصح المجتمع من حوله وإرشادهم للمبادئ الدينية القويمة، ونشر الثقافة القُــرْآنية بكل الوسائل الممكنة”.

وأشار “العرار” إلى مسيرة الشهيد الجهادية والمتمثلة في التوعية الثقافية والتعبوية منذ انطلاقه مع المسيرة القُــرْآنية في العام 2004 وحتى استشهاده، مشيراً إلى أن الشهيد حمل على عاتقه إيصالَ حقيقة المشروع القُــرْآني الذي أحياه الشهيد القائد، رغم كُـــلّ الصعاب التي كانت تواجهه في فترة الحرب على صعدة والتي كان خلالها يقوم بنشر المواد الثقافية سراً على الأهل والأصدقاء المقربين في قريته في المناطق المجاورة.

انطلق الشهيد في العام 2004 مع ركب المسيرة القُــرْآنية ليبدأ في توعية أهله وأصدقائه سراً؛ تحسُّباً لأي قمع قد تستخدمُه السلطةُ ضده في ذلك الحين.

الأخ “محمد أحمد صالح محمد” أحد أقرباء الشهيد، يقول في تصريحاته لصحيفة المسيرة: إن “الفضل بعد الله سبحانه وتعالى يعود للشهيد “أبو محمد”؛ لأَنَّه من أراني طريقَ الحق وطريق الهداية؛ لأَنَّه بعد تخرجي من الكلية البحرية في العام 2004 وبعد عملي في القوات البحرية خلال فترة الحرب على صعدة، استدعاني الشهيد إلى منزله وبدأ يحذّرني من المشاركة مع الجيش في الحرب على صعدة، وبدأ حينها يشرح لي المنهج الذي يسير وِفقه السيد حسين سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ في ذلك الحين، والذي هو منهجُ أئمة آل البيت الكرام، وكان الشهيد يستعرض لي محاضرات الشهيد القائد ويقرأ لي بعضاً من مقتطفاته النورانية حتى استطاع أن يضمني إلى هذه الطريق القويمة والالتحاق بهذه المسيرة المباركة”.

 

مواقفُ من استقامة الشهيد قبل انطلاقه مع المسيرة القُــرْآنية

 

وأشار الأخ محمد أحمد صالح محمد إلى بعض المواقف من حياة الشهيد التي جسّد من خلالها استقامتَه الدينية الخالصة، مضيفاً “أنا والشهيد متقاربان في السن وترعرعنا سوياً، ومنذ صغره وهو قدوة في الصدق والأمانة، ولا أبالغ إذَا قلت إنه كان يجمع كُـــلّ الصفات الحميدة، وعندما كنا صغاراً في السن كان الشهيد يكره سماعَ الأغاني، حيث أنه في ذات مرة كنا في عرس أحد أقاربنا وخلال تلبيس العرسان كانت المسجلة مفتوحة بالأغاني وهرع الشهيدُ لإغلاقها ومنع أي أحد من فتحها، والعديد من المواقف التي كان الشهيدُ يتجنب خلالها سماع الأغاني ومنع أي أحد بجانبه من سماعها”.

الشهيد “عبدالله صلاح” بعد خروجه من الجامع الكبير عاد بين أسرته ليربيَهم التربيةَ الصالحة، والعمل مع والده في المقاولات والأشغال الأخرى، والعمل بالجرافة “الشيول” وغيرها من المعدات التي يمتلكها والده، وخلال هذه الفترة عُرف الشهيد بالإحسان ومساعدة الناس، والاهتمام بالمصالح العامة، حيث أفاد الأخ محمد أحمد صالح محمد بـ “أنه عندما كان يعمل بالجرافة “الشيول” كان يشوف الطريق المتعرجة ويقوم بإصلاحها، وكان يقوم بإصلاح أي شيء عام دون مقابل، إنما في خدمة الناس لوجه الله تعالى؛ وذلك لما كان يحمل من روحية المسارعة للإحسان”.

الشهيد “عبدالله أحمد صلاح” وعلى الرغم من أنه ينتمي لأسرة ميسورة الحال تعمل في المقاولات وتمتلك العديد من المعدات والآليات المستخدمة في البناء والزراعة، إلا أنه لم يكن ينظر إلى متاع الدنيا، وقرر ترك كُـــلّ ما تملك أسرته؛ لينطلقَ في نشر هدى الله بكل اندفاع.

وبعد أن عُرف الشهيدُ بمبدأه المناصِر للمسيرة القُــرْآنية ومناهضته لحرب صعدة، حورب من أهالي منطقته وأقاربه وترك ما تملكه أسرته من ثروة، على أن يترك عمله الجهادي في نشر هدى ومحاربة الباطل، واتخذ من الزراعة مصدرَ دخل لإعالة أبنائه وزوجته وتوفير منزل بسيط، ولم يكن تحَــرّكه في هذا الجانب إلا لستر الحال وتغطية ما تتطلبه الحياة بالشيء اليسير.

 

تحَــرّك الشهيد في الجانب الثقافي

 

مع تغلب الحق على الباطل وإسراع عجلة المسيرة القُــرْآنية وبعد انكسار حاجز الحصار نوعاً ما على مجاهدي المسيرة القُــرْآنية في العام 2010 بدأ الشهيد بالتحَــرّك في القرى المجاورة في سنحان وتوزيع مواد الثقافة القُــرْآنية على نطاق واسع علناً بعد أن كان يتحَــرّكُ سراً، وكان الشهيد يحرصُ على الخطابة والمحاضرة في القرى المجاورة خلال تلك الفترة، على الرغم من الإساءات التي كان يتعرض لها، ومعايرته بأنه لا يملك شيئاً وأنه ترك ما تملكه أسرته مقابل لا شيء، غير أنه كان يرد بقوله “نحن مع الله ولا نريد شيئاً غير رضاه وإعلاء كلمته”.

الأخ “إبراهيم التام” أحد طلاب الشهيد يقول للمسيرة: “حمل الشهيد المسؤولية الإيْمَانية والجهادية وأفرغ كُـــلّ طاقاته والمؤهلات التي منحه الله إياها في الدعوة إلى الله والعمل على تثقيف المجتمع بالثقافة القُــرْآنية”.

وأضاف “التام”: “كان الشهيد حريصاً على ممتلكات سبيل الله وكان يوصينا بِالاهتمام بها، وكان أميناً على كُـــلّ ما يؤتَمَن؛ ولأنه كان نموذجاً راقياً للمجاهدين الصادقين كان تتويجه بهذا الوسام العظيم وسام الشهادة وكذلك وسام أن خلّد الله جثته دون أن تتغير لأكثرَ من عامين ونصف عام”.

 

تحَــرّك الشهيد في الجانب العسكري

 

استمر الشهيدُ في عمله الجهادي الثقافي مع مشاركته في جبهات القتال، وفي هذا الجانب من حياته أكّــد الأخ “محمد علي أحمد المسعودي” أحد رفاق الشهيد في جبهات القتال، “أنه مثل ما كان الشهيد فاعلاً وقوياً وعظيماً في تحَــرّكه الثقافي كان له الأثر الكبير والعظيم في الميدان العسكري في جبهات القتال، وكان الشهيد مقداماً عظيماً ينفذ مسؤولياته على أكمل وجه، وكان يتحَــرّك بكل مسؤولية وكان يؤدي عمله القتالي على أكمل حال وفقاً للتوجيهات التي تُلقى عليه”.

وأوضح المسعودي أن جبهة أرحب كانت أولى الجبهات التي شارك الشهيد فيها لتطهيرها من العناصر التكفيرية والإجرامية، مضيفاً “كان الشهيد من أكثر المجاهدين تسليماً لتوجيهات السيد القائد عبدالملك الحوثي، وكان من أكثر المتشيعين والمتأثرين بأعلام آل البيت ومنذ عرفناه لم يخرج عن الولاء لآل البيت”.

وأكّــد المسعودي “أن الشهيد مع انطلاق العدوان كثّف جهودَه التعبوية والتثقيفية للتحشيد إلى الجبهات وتحريض المؤمنين على القتال ضد المعتدين؛ ليتحَــرّك هو بعد ذلك إلى جبهة صرواح التي كانت آخر الجبهات المشارك فيها”.

 

استنفارُ الشهيد لجبهة صرواح التي أنهى مشاورَه الجهادي فيها

 

عند استشهاد المجاهد “سامي أحمد صلاح” شقيقُ الشهيد “عبدالله أحمد صلاح”، في مأرب، قربَ عيد الأضحى المبارك في العام 1437عاد الأخير لتشييع أخيه في مسقط رأسه وبقي بضعة أيام، ليستنفرَ بعدها مع عدد كبير من المجاهدين للتصدي للغزاة ومرتزِقتهم في جبهة صرواح، حيث كثّفوا زحوفهم مع حلول العيد.

الأخ “محمد علي أحمد المسعودي” رافق الشهيد في جبهة صرواح وأوضح لصحيفة المسيرة: “كنت أنا والشهيد ومجموعة من الرفاق في جبهة صرواح، وعندما أبلغنا في ظهر ذلك اليوم بأن هناك زحفاً على أحد المربعات في الجبهة انطلقنا إلى ذلك المكان لصد الزحف وتشكيل خط دفاعي يمنع تجاوز المرتزِقة لتلك المنطقة، والشهيد كان مصراً على الدخول لتلك المنطقة والتقدم وعدم الاكتفاء بالدفاع، ومن ثم جاءت لنا مهمةٌ للدخول إلى ذلك المكان لقطع الخط على العدوّ وتخفيف حدة الزحف ومنع العدوّ من إحكام قبضته على المجاهدين ممن كانوا في العمق، وعند دخولنا وصلنا إلى مكان قرب العدوّ وأثناء اقتحامنا في ذلك المكان تم تحريرُ مَن كانوا محاصرين من المجاهدين، مع استمرار زحوفات العدو”.

وأضاف المسعودي “جاء أحد المجاهدين ممن كانوا محاصرين أخبرنا أن هناك جريحاً في الداخل، وبعدها أصرَّ الشهيدُ على الدخول لإنقاذ الجريح وتحريره، وانطلق ومعه الشهيد أبو “علي شؤون” وعدد من الرفاق لتحرير الجري؛ ولأن الجريح كان في مكان مجهول لم يدر الشهيد “عبدالله صلاح” أين هو بالضبط توغلوا في العمق حتى التف العدوّ من الجانب، وبعدها لم نعرف مصيرهم، وكانت تأتي أخبار بأنهم أصبحوا أسرى ولكنها لم تكن أخبار مؤكّــدة، وكنا نتوقعُ أنهم قد استشهدوا، وبعدها كنا نخطّط لاقتحام ذلك المربع الذي حوصروا فيه، ومنع العدوّ من التقدم ناحيتهم وهذا ما حصل حتى تم تحريرُ تلك المناطق الشهر الماضي ووصل أبطالُ الجيش واللجان الشعبية وعثروا على جثة الشهيد “عبدالله صلاح” في عُمق ذلك المربع”.

 

والد الشهيد “الحاج أحمد محمد صلاح”

 

– أولاً حدثنا عن كيف كان شعورك عندما أبلغوك أنهم وجدوا جثة ابنك الشهيد؟

 

أول ما بلّغونا عن شهادة الولد عبدالله جابوا لي الصورة وقالوا نريد منك أن تتأكّــد فيما إذَا كانت هذه هي صورة ابنك عبدالله، وعندما رأيت الصورة قلت لهم إنها صورة الولد عبدالله دون أن تتغيرَ ملامح وجهه، وهذا كان شعور عظيم وكان موقف نحمد الله ونشكره عليه.

 

– ما هي المعلومات التي كانت لديكم عن الشهيد قبل العثور على جثته؟

 

بالنسبة للولد عبدالله كان عندنا علم أنه دخل في المكان هذا هو وجماعته، ومن بعدها أصبحوا مفقودين لا نعلم عنهم أي شيء هل هم أسرى أم هم شهداء أم مفقودون، فلم نكن نعلم عنهم أي شيء.

وكنا ننتظر أن تأتينا أية أخبار عنه، إلى أن وصلنا خبره وجابوا لنا صوره بأنه شهيد فقلنا الحمدُ لله على كُـــلّ حال، والصورة التي وصلتنا له وبعد سنتين ونصف سنة وهو بجميع محاسنة فهذه تعتبر آية من آيات الله وتدل على أن الولد عبدالله كان ولياً من أولياء الله.

– كيف كانت أَخْلَاق الشهيد عبدالله بسلوكه وطباعه في واقع حياته؟

 

كان الولد عبدالله ولداً مستقيماً جداً جداً ولم أر أحداً من الشباب في سنّه بمستوى استقامته واعتداله، وكان صادقاً ومخلصاً، ولم يكن محسّباً للدنيا بأي حساب، ومع انطلاقه مع المسيرة في السر والعلن ترك كُـــلّ شيء وتفرّغ لمناصرة المسيرة القُــرْآنية.

– حسناً.. منذ أن انطلق الشهيد عبدالله في المسيرة هل كنتَ مؤيداً له أم معارضاً له؟

 

لا كنت مؤيداً له ولا معارضاً له، وعندما انطلق مع المسيرة في السر لم أضيق عليه تركته بعد حاله؛ لأَنَّي كنت أشوفه ماشي في ما يرضي الله وكان مستقيماً استقامة قوية، تحصّله محافظاً على الصلاة تحصّله في كُـــلّ أموره ما يريد في هذه الدنيا سوى رضوان الله سبحانه وتعالى.

 

عم الشهيد الأخ “محمد محمد صلاح”

 

– كيف تأثرتم بحياة الشهيد قبل استشهاده وكيف تأثرتم بعد استشهاده؟

 

بالنسبة لنا ورغم محافظتنا على ديننا وسلوكنا في المذهب الزيدي، فقد كان الولد عبدالله سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ هو أعظمنا؛ لأَنَّ الشهيد عبدالله هو كما قال الإمام عليه كرّم الله وجه للدنيا “إني طلقتُكِ ثلاثاً لا رجعةَ لكِ فيها” ولا يعمل لدنياه إلا ما يستر به حالته ويسد حاجته، وتشوف الصدق عنده والإخلاص موجود بشكل كبير.

وفي عيد الأضحى المبارك ذهبنا نزور المجاهدين في جبهة صرواح مع مجموعة من الوجاهات الاجتماعية والمشايخ وبلغنا أن عبدالله ورفاقه اقتحموا مواقعَ للعدوّ وانقطعت أخبارُهم، فقلنا نشارك معهم ونحشد لاقتحام المواقع لمعرفة مصيرهم، فكانت الظروفُ في تلك الفترة لا تسمح، فقلنا ما أراده الله با يصير والولد عبدالله رجل متقي الله لا يمكن أن يخشى في مواجهته للظالمين إلا الله، وجلسنا نتابع بعده إلا أن أظهر اللهُ حقيقةَ مصيره والتي جعله اللهُ آية من آياته حيث لم يتأثر جثمانه بل وجدناها كما هي بعد سنتين ونصف سنة.

 

رسائل أبناء الشهيد

 

محمد عبدالله صلاح 14 عاماً – الصف الثامن

 

الحمدُ لله على نعمة الهداية ونعمة المسيرة القُــرْآنية، والحمدُ لله على نعمة الجهاد وعلى نعمة الاستشهاد الذي أكرمنا الله بها أن اختار عمي شهيداً من قبل سامي أحمد محمد صلاح، والحمدُ لله الذي حفظ والدي لمدة سنتين ونصف سنة وهو ما يزال ثابتاً على أرض المعركة فاختاره شهيداً لتتجسّد فيه آية من آيات الله، وليعلم العالم أن هذه الطريق الذي نسير عليها وهي طريق الحق وطريق الأنبياء سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِم ونقبل الأرض التي تحت أقدام المجاهدين الذين طهّروا صرواح.

ثم وجدوا جثمانَ والدي، فنَمْ يا والدي قريرَ العين فنحن أشبال المسيرة الصاعدين وفي أيادينا البندقية وبندقيتك يا والدي سوف أحملها بدلاً عنك في جهاد الظالمين ومحاربة المفسدين حتى يأذن الله بالنصر من عنده أَو الشهادة في سبيله.

 

أبرار عبدالله صلاح 11 عاماً – الصف السادس

 

والدي الشهيد سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ كان إنساناً عظيماً بمعنى الكلمة، وكان يربينا تربيةً إيْمَانية تربية قرآنية، كان يحدثنا دائماً على الاهتمام بالصلاة وعلى الصدق وتجنب الكذب وعلى الإنفاق في سبيل الله وعلى حب الجهاد.

 

وكان يحبُّ أن نقتديَ ببنت أهل بيت رسول الله أن نكونَ كزينب عليها السلام في الحشمة والعفاف.

وإننا نعاهدك يا أبي بأننا سنبقى مجاهدات كما ربيتنا، ونسأل من الله أن يوفقنا على درب والدي الشهيد.

وفي الأخير نسأل الله تعالى أن يعافيَ الجرحى ويرحمَ الشهداء ويفك قيد الأسرى.

 

فاطمة عبدالله صلاح 9 أعوام – الصف الثالث

 

الحمدُ لله الذي اصطفى أبي شهيداً في سبيل الله دفاعاً عن المستضعفين العاملين على إعلاء كلمته، ونقول لسيدي عَبدالملك: قدمنا أبي شهيداً في سبيل الله دفاعاً عن الدين وعن المسيرة القُــرْآنية وفداءً لرأسك الشريف.

 

حياة الشهيد في سطور.. بقلم زوجته

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السلامُ على الشهداء العظماء الأبرار الذين بذلوا أرواحهم في سبيل الله وفي نُصرة المستضعفين.

السلامُ على الشهيد العظيم المجاهد، الشهيد: عبدالله أحمد محمد صلاح، الذي نتحدّثُ اليومَ بصورة مختصرة وسريعة عن سيرة حياته.

لقد عاش الشهيدُ سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ يتيم الأم، حيث توفيت وهو لا يزال ابن ستة شهور وتربّى عند جدته أم والده وعندما تزوج أبوه تربى مع إخوته.

وفي شبابه كان إنساناً تقياً والتحق بالدراسة في الجامع الكبير وعند خروجه من الجامع أهدى أخوته مصحفاً مصحفاً، وكان يقوم بجمعهم بعد صلاة العشاء لتحفيظهم القُــرْآن الكريم ويوصيهم بتقوى الله في جميع الأعمال، وكان حريصاً عليهم في تجنب مشاهد المسلسلات وسماع الأغاني، وكان عنده الاهتمام الكبير بالصلاة في المسجد والحرص الكبير على صلاة الفجر والخروج إلى المسجد رغم الأمراض التي كان يعاني منها، وكان الشهيد سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ يحث أهله على الاهتمام بالصلاة.

وَبعد زواجه كان ما يزال مستمراً في جمع إخوته وزوجته وتعليمهم القُــرْآن الكريم، وبعد ذلك ذهب هو وأخوه للعمل في المناطق بالشيول ولم يثنه العملُ عن تعليم القُــرْآن، فلقد كان سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ يقومُ بجمع الأطفال في منطقة “اعشار” التي كان يشتغل فيها لتعليمهم القُــرْآن الكريم، وعانى من بعض الأمراض حتى انعزل عن الشغل بالشيول، ثم قام بعد ذلك بزراعة الطماطم ليوفر له بعضَ المال ليذهب لأداء فريضة الحج، وكان لديه في ذلك الوقت اثنان من الأولاد.

انطلاقته في المسيرة القُــرْآنية خلال الحروب الست على صعدة وكان تحَــرُّكُه بسرية في القيام ببعض الأعمال الجهادية بنشر الملازم والسيديهات، وكان الشهيد سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ في مناسبة مولد النبي أَو احتفال الغدير يقوم بالنزول إلى صعدة بسر من دون علم أحد للمشاركة في الاحتفالات، وعند ظهور المسيرة القُــرْآنية كان له الدورُ البارزُ في نشر الهدي بين أهله وأقاربه وكل من يعرف في القرية.

وفي بداية 11 فبراير كان من أول المشاركين في الاعتصامات، وكان الشهيد سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ من السباقين بتحشيد الأفراد للاعتصامات وتجميع الخبز للساحات، وكان يملك روحيةً عالية تجاه عظماء هذه الأُمَّـة، ويقول لقد فرّطنا في السيد حسين سَلَامُ اللهِ عَلَيْهِ وكان يتحَــرّك بقوة كي لا نفرط في السيد عبدالملك، وحتى عندما تظهر كلمات من نور على الشاشة كان يقول إن هذه العبارات يهتز لها قلبي.

وكان يربي أولاده التربية الإيْمَانية وتربيةَ المسيرة القُــرْآنية وكان يحثهم على الصلاة والإنفاق في سبيل الله، وكان لديه ثلاثة صناديق صندوق للإنفاق _ صندوق للإعداد_ صندوق لأسر الشهداء، وكان يشارك في تدريس الطلاب في العُطَل الصيفية، وكان خطيباً في الجوامع وثقافياً يقوم بنشر هدى الله في المناطق.

وكان له مشاركةٌ في جبهات القتال حتى أتاه نبأ استشهاد أخيه سامي وهو كان مرابطاً في الجبهة، وفي عيد الأضحى عندما كانت الفزعة على صرواح فكان من المسارعين إلى الالتحاق بهذه الفزعة وقبل نزوله إلى صرواح قام بزيارة أرحامه وكانت الزيارة الأخيرة له.

وفي الأخير أقول لمن ما زالوا متخاذلين ويقولون بأنهم لم يعرفوا الحق من الباطل: ألم تروا آيةَ الله في أرضه، ألا يكفيكم أن تجلّت آيةُ الله في هذا الإنسان العظيم، فيكفيكم تخاذلاً.

وأوجه كلامي إلى من ما زالوا قاعدين في البيوت: تحَــرّكوا بقوة، فهذه المسيرة الحق لا شك فيها ولا ريب، والحمد لله الذي أكرمنا بهذا الفضل العظيم ونحمد الله ونشكره.

وأقول لسيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي: نحن قدمنا أزواجنا فداءً لهذا الدين، وعهداً علينا أن نربّي أولادنا على نهج آبائهم تحت رايتك فأنت من أخرجتنا من الظلمات إلى النور.

 

إضاءة مفتي الديار اليمنية العلامة شمس الدين شرف الدين حول الشهيد “عبدالله صلاح”

 

الحمدُ لله رب العالمين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد..

هذه الكرامةُ من الله للشهيد أكرمه اللهُ بها لما كان عليه من الأَخْلَاق الطيبة والقُــرْآنية، فلقد كان يحفَظُ من القُــرْآن وكان رجلاً ثقافياً وكان مخلصاً ومنطلقاً، وهذا دليل على إخلاصه؛ لأَنَّ الله اختار له هذه المكانة.

فلقد كان الشهيد أهلاً لهذه الكرامة وفي نفس الوقت كانت آيةً لغيره من الناس ولأهله على أن الطريق الذي سار عليها هذا الشهيد هي طريق الحق وطريق الدفاع عن المظلومين وعن المستضعفين ودفاعاً عن كرامة وعزة شعبنا اليمني ودفاعاً عن الدين وشريعة محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الشريعة الذي أراد بعض الناس أن يدنسوها من حيث يشعرون ومن حيث لا يشعرون.

وهذا فضلٌ اختاره اللهُ لهذه المهمة واختاره اللهُ لهذه المنزلة وجعل هذه الآية لمن خلفه من الناس وبأنه كان على الحق وهو يدافعُ عن الشعب اليمني، ومن الواجب على الناس أن يستمروا في هذه الطريق طريق النضال وطريق الكفاح والدفاع عن النفس والعِرض والشرف.