عين على القرآن وعين على الأحداث

غسيل الأموال والجانب المظلم لـ”دبي”.. إحصائيات مُخيفة

موقع أنصار الله || صحافة عربية ودولية || الوقت التحليلي

تحوّلت دبي خلال العقد الأخير وربما العقدين الأخيرين إلى ملاذ آمن للسياح ورجال الأعمال من جميع أرجاء المعمورة، وهذا ما يمكننا أن نطلق عليه اسم (الجانب المضيء لـ”دبي”) ولكن هناك جانب آخر بدأ يطغى على الجانب الأول تمثّل بـ”غسيل الأموال” والذي ضرَّ كثيراً بسمعة دبي في الآونة الأخيرة، خاصة وأنها تحوّلت إلى ملاذ آمن للتهرّب الضريبي، ما دفع الكثير من الشركات والأشخاص الراغبين بالاستفادة من الإعفاءات الضريبية والتراخي في قواعد الإقامة، بالتوجّه نحو دبي نظراً للتسهيلات الموجودة هناك بهذا الخصوص ولاسيما “التدقيق المالي الدولي”.

دبي “جنة” لغسيل الأموال

قالت منظمة الشفافية الدولية (ترانسبرنسي) إن إمارة دبي أصبحت ملاذاً عالمياً لغسل الأموال، حيث يمكن للفاسدين وباقي أصناف المجرمين شراء عقارات فاخرة دون أي قيود.

وتنضم المنظمة غير الحكومية إلى عدد من الهيئات التي تثير الانتباه لبروز دبي على الساحة الدولية ولكن في مجال غسل الأموال.

ولفتت المنظمة في تقريرها السنوي عن مؤشر الفساد في العالم، إلى نتائج خلصت إليها شبكة التحقيقات الصحفية لمكافحة الفساد والجريمة ومركز الدراسات الدفاعية المتقدمة في واشنطن عن غسل الأموال في دبي.

وأضافت ترانسبرنسي: إن بالإمكان شراء عقار في دبي يقدّر بملايين الجنيهات الإسترلينية، شريطة امتلاك السيولة الكافية وبعد الإجابة عن بضع أسئلة من السلطات المعنية.

وهذه ليست المرة الأولى التي تعبّر فيها منظمة الشفافية عن قلقها من وجود ممارسات مشبوهة في قطاع العقار بدبي، وذكر مقال للصحفي دومينيك دودلي في مجلة فوربس الأمريكية أنه رغم الصورة السلبية المرتبطة بسمعة الإمارة في مجال غسل الأموال، فإن السلطات هناك لم تبادر إلى اتخاذ قرارات حاسمة للقطع مع هذه الصورة.

وكان تقرير لمركز الدراسات الدفاعية المتقدّمة صدر في يونيو/حزيران 2018، قد كشف أن هناك 44 عقاراً في دبي قيمتها 28.2 مليون دولار مملوكة بشكل مباشر لأفراد خاضعين للعقوبات، فضلاً عن 37 عقاراً بقيمة 80 مليون دولار في الإمارة نفسها مملوكة لأفراد يرتبطون بشكل مباشر مع هؤلاء الخاضعين للعقوبات.

واستند هذا الكشف إلى تسريبات لقاعدة بيانات تخصّ معلومات عن عقارات ووثائق إقامة للأشخاص المشار إليهم، وخلص تقرير المركز إلى أن دولة الإمارات  -خاصة إمارة دبي – أصبحت ملاذاً آمناً لغسل أموال عدد من منتهكي الحروب وممولي الإرهاب ومهربي المخدرات.

أرقام وحقائق

في أكتوبر/تشرين الأول 2018، كشفت مجلة لونوفال أوبزيرفاتور الفرنسية أن العديد من التحقيقات باتت تستهدف عمل “الشبكة الدولية للتهرب الضريبي وغسل الأموال” التي تقودها مجموعة هيلان ومقرها إمارة رأس الخيمة بدولة الإمارات.

وقالت المجلة إنها منذ كشفت في تحقيق استقصائي بعنوان “أوراق دبي” عن التهرب الضريبي وغسل الأموال انطلاقاً من إمارة رأس الخيمة، تسارعت التحقيقات في سويسرا ودبي وموريشيوس وقد سمحت هذه التحقيقات – بحسب المجلة – بفهم مدى انتشار أنشطة مجموعة هيلان، وهي شبكة واسعة للتهرب الضريبي وغسل الأموال.
وفي يونيو/حزيران 2018، قالت صحيفة ذي غارديان البريطانية إن دبي تخطّت جزيرة كوستا ديل كرايم الإسبانية المعروفة بأنها أسوأ مكان في العالم من حيث غسيل الأموال، مشيرة إلى أن بريطانيين كلّفوا الخزينة البريطانية خسارة مليارات الجنيهات الإسترلينية.

وذكرت الصحيفة أن محققين بريطانيين يدرسون معلومات مسرّبة للعقارات في دبي تبيّن أن بريطانيين استخدموا دبي لإخفاء 16.5 مليار جنيه إسترليني كضرائب لبريطانيا ما بين عامي 2005 و2016.

وأوضح رود ستون مساعد مدير وحدة التنسيق الوطنية للإيرادات والجمارك الخاصة بالجريمة المنظمة، أن المحتالين كانوا يودعون البضائع في دبي عام 2005 لشلّ قدرة سلطات الضرائب على معرفة تحركاتها.

وفي نوفمبر 2016، حذّر خبراء من أن الإمارات تواجه خطر إدراجها في القائمة السوداء للملاذات الضريبية، وسط مخاوف متزايدة حول استخدامها كقناة لتدفقات مالية غير قانونية، ونقلت تقارير إعلامية عن مسؤول في منظمة التعاون والتنمية إنه على الإمارات أن توقّع على معاهدة لتيسير تبادل المعلومات عن المتهربين من الضرائب لأنها باتت “مصدر قلق”.

وأشار التقرير الأخير الصادر عن الخارجية الأمريكية في مارس 2017، إلى تصنيف الإمارات من بين “البلدان الرئيسية في مجال غسل الأموال”، وشرح التقرير أن هذا التصنيف يطول أي بلد “مؤسساته المالية تنخرط في معاملات نقدية تنطوي على مبالغ كبيرة من العائدات المتأتية من الاتجار الدولي بالمخدرات”، لتصبح البلد الخليجي الوحيد الذي دخل ضمن هذا التصنيف.

وأضاف التقرير: “يرتبط جزء من نشاط غسل الأموال في دولة الإمارات على الأرجح بعائدات غير قانونية من المخدرات المنتجة في جنوب غرب آسيا، ونقاط الضعف الأخرى لغسل الأموال في دولة الإمارات تشمل القطاع العقاري، وإساءة استخدام تجارة الذهب والماس الدولية”.

لماذا لا تحارب الإمارات هذه الظاهرة؟

يبدو أن “غسيل الأموال” جزء لا يتجزّأ من اقتصاد الإمارات ونهضتها في مجال الاستثمار والعقارات، وبالرغم من كل الحقائق التي ذكرناها آنفاً تدّعي الإمارات أنها تتعاون مع وحدة استعلام مركزية في دول مختلفة لتبادل المعلومات والتصدي لعمليات غسل الأموال ومكافحة الإرهاب، بحسب محافظ المصرف المركزي الإماراتي، مبارك راشد المنصوري، وقال المنصوري خلال مؤتمر مشترك بين الإمارات وبريطانيا قبل أشهر: إن دولة الإمارات مركز مالي إقليمي رئيس في المنطقة، وتولي أهمية كبرى لمكافحة الجرائم المالية والحفاظ على الأمن الاقتصادي للمجتمع الدولي.

وبعد كل ما تقدّم يبقى عدم انضمام الإمارات إلى مجموعة FATF الدولية لمكافحة غسيل الأموال والتأمين المالي للسياح، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أن السلطات الإماراتية شريكة بما يجري بهذا الكم الهائل من غسيل الأموال في بلادها، وعلى ما يبدو أنه أصبح جانباً معتمداً من الدخل القومي وهنا تكمن الطامّة الكبرى التي سترتد نتائجها على هذه الدولة يوماً ما.