عين على القرآن وعين على الأحداث

رحلة الشهيد الصمّـاد.. رجلُ المسيرة القرآنية في كُــلّ الميادين (الحلقة الأولى).

موقع أنصار الله || صحافة محلية || المسيرة: إبراهيم السراجي

“إن مسحَ الغبار من نعال المجاهدين أشرفُ من كُــلّ مناصبِ الدنيا”

الرئيس الشهيد صالح الصمّاد خلال زيارته لجبهة الجوف..

لن يدركَ المرءُ لِــمَ أطلق الرئيس الشهيد صالح الصمّاد تلك العبارة إلا إذَا عرف سيرةَ هذا الرجل الذي عرف بحق وعاش عملياً واقع الجهاد والتضحية وأدرك عظمة المجاهد ومكانته وقدره في الدنيا والآخرة، ولولا هذه السيرة العظيمة لكانت العبارة التي أطلقها مُجَــرّد عبارة بليغة أطلقها رئيسٌ متمكّنٌ من اللغة لرفعِ معنويات مقاتليه، ولولا المحبةُ التي قذفها الله في قلوب الناس لهذا الرجل لكان مصير هذه العبارة النسيان ولم تتحول إلى أيقونة تُردّد كُــلّ يوم كما يُردّد ذكرُ الرئيس الشهيد ويحضر في وجدان وأقلام الناس، كيف لا وهو الرجل الذي كان يردُّ على من يطالبونه بالاهتمام بنفسه إعلامياً بالقول: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا”.

أحبَّ الناسُ الصمّادَ كرئيسٍ وكانت فترتُه القصيرةُ هذه كافيةً لدى الكثيرين ليكنّوا له كُــلَّ هذه المحبة التي لمسها العالَمُ وأحبوه كرئيسٍ للمكتب السياسيّ لأنصار الله ورئيس للمجلس الأعلى وكان ذلك أيضاً كافياً ليحظى بمحبة واسعة يغبطه عليه الكثيرون، وشريحة أقل عرفت الصمّاد وأحبته كمشرف ثقافي عام لأنصار الله؛ ولذلك فكل مرحلة من مراحل حياة الرئيس الشهيد صالح الصمّاد كانت كافية لأَن يرتبط في عقل وذهن وقلب من عرفوه في مرحلة ما من تلك المراحل، ولكن ماذا لو عرف الجميع سيرة هذا الرجل العظيم منذ بداية حياته الجهادية في بداية شبابه إن لم يكن في بداية مراهقته؟ لا شك أنَّ سرد سيرة الصمّاد كاملة ستجعل القارئ لهذه السطور يعرف أن عظمةَ الصمّاد أَكْبَــرُ من التصور وأوسعُ من الحدود وسيكون القارئُ أمام رجل مجاهد ومعلم وقائد استثنائي بالفعل من أرفع طراز الرجال والمعلمين والمجاهدين والقادة.

على الرغم من أنه وُلِدَ في مجتمع يولي اهتماماً كبيراً بالعلوم الدينية وكان الرئيس الشهيد طالباً للعلم ومعلماً له في آن واحد، إلا أن التحول الكبير الذي شهدته مسيرته الجهادية كان عندما استمع لأول مرة محاضرة للشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، حينها شعر الصمّاد أنه أمام مدرسة قرآنية وجهادية تهدفُ لاستنهاضِ الأُمَّــة وتحويلِ القُــرْآن إلى واقع عملي يحمي الأُمَّــة من الأخطار التي غفل عنها الكثيرون، ليصبحَ الصمّاد بعد حين أحد أَكْبَــر وأهم وأخلص خريّجي مدرسة الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي -رِضْـــوَانُ اللهِ عَلَيْـهِ-ما.

وُلِدَ الرئيس الشهيد في 6 يوليو 1979م في ساحة صبر بمنطقة بني معاذ التابعة لمديرية سحار بمحافظة صعدة، وكما يروي أبناءُ منطقته فقد بدت عليه علاماتُ الوجاهة والنباهة منذ طفولته الأولى ويصفه رفاقُه في المدرسة بأنه كان مثالاً للطالب النبيل متحلياً بالأَخْلَاق والأدب وفي مرحلة الصبا كان من حوله يلاحظون قدرته على إقناع أقرانه بالفكرة التي يتبناها أيا كانت بساطتها التي تتناسب مع عمره في ذلك غير أن هذه السمة ظلت مرتبطة به على مدى حياته كلها وعندما تعرّف على المسيرة القُــرْآنية أصبحت تلك السمةُ ميزةً كبيرة، إذ امتلك الحُجَّةَ والبيانَ فأصبحت قدرتُه على الإقناع إحدى أهمّ ما امتلكته المسيرة ليلتفَّ الناسُ حولها ويتعرّفوا عليها وينطلقوا بعدها مجاهدين وداعين إلى نهوض الأُمَّــة في مواجهة الأخطار التي تواجهها.

 

  • الصمّاد الشاب.. معلّماً وطالباً للعلم

في سبيل معرفةِ سيرتِه، دعا كاتب هذه السطور أحدَ تلامذة ورفاق الشهيد الصمّاد للاستماع منه والحصول على معلومات دقيقة حول هذا الهدف ونشرها ضمن هذه المادة لصحيفة المسيرة، وكانت البدايةُ من مرحلة تخرج الصمّاد من الثانوية العامة ليصبحَ -وفقاً لنظام التعليم في ذلك الحين- مدرساً في المدرسة المتواجدة في منطقته، مؤدياً لما كان يسمى بالخدمة بعد الثانوية وفي نفس الوقت كان قد أصبح مُعَلِّماً للعلوم الدينية في الفترة المسائية بعد صلاة العصر لشباب منطقته.

وفي ظل نهمه للعلم واهتمامه بدينه كان يواصلُ يومَه بعد تلك الفترتين كطالبِ علم لدى العلامة عبدالله المؤيد، علاوةً على كَـوْنه رغم حداثة سِنِّه خطيباً للجمعة في مسجد القَرية بساحة صبر.

إذن وقبل أن يتعرَّفَ على المسيرة القُــرْآنية كان واضحاً اهتمامُ الرئيس الشهيد بعلوم الإسْلَام؛ بكونه معلماً لعلوم الدين وطالباً أَيْــضاً وخطيباً وبعد ذلك أيضاً من خلال التحاقه بقسم علوم القُــرْآن بكلية التربية في صعدة وبذلك أصبح معظمُ الشباب من أبناء منطقته من طلابه أَو من زملائه كطلاب لدى العلامة المؤيد.

 

  • التحوّلُ الكبير: اكتشافُ المسيرة القُــرْآنية

في الوقت الذي كان الرئيسُ الشهيد منتظماً في دراسته بالكلية ودراسته وتدريسه للعلم في منطقته ساحة صبر كان أحد أبناء المنطقة قد سبق إلى مَــرَّان، حَيثُ الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي وأول مجاهد منها وفي إحدى المرات عاد هذا الأخير، وهو المجاهد يحيى طالع الذي استشهد في الحرب الأولى، إلى ساحة صبر واختار أن يعطيَ الرئيسَ الشهيد شريطاً يحتوي على محاضر للسيد حسين الحوثي -رِضْـــوَانُ اللهِ عَلَيْـهِ-م جميعاً، بعد أن حدث الشهيد الصمّاد بشكل موجز عن مؤسّس المسيرة القُــرْآنية أَو ما كان يعرف حينها “الشباب المؤمن”.

وكما روى الشهيدُ الصمّادُ لرفاقه أنه عاد إلى منزله وقام بتشغيل الشريط واستمع إلى محاضرة السيد حسين الحوثي وكانت تلك المحاضرةُ محوراً للتحول الكبير الذي سيطرأ على حياة ومسيرة وتوجّه الشهيد الصمّاد كما سنعرف في السطور التالية.

بحسب رواية الرئيس الشهيد لرفاقه، فقد أذهله منطقُ السيد حسين بدر الدين الحوثي في الوقت الذي كان القمعُ المستمرّ من قبل السلطة قد حوّل مدارس العلوم الدينية إلى مُجَــرّد نصوص للحفظ والتلقين، إلا أن الشهيدَ الصمّاد رأى في محاضرة الشهيد القائد اهتماماً كبيراً بالأُمَّة العربية والإسْلَامية ونظرةً عميقةً واستشعاراً كَبيراً للأخطار التي تواجه الإسْلَام والمسلمين واستنهاض للتحَــرّك ومواجهة كُــلّ ذلك، كما أذهله تناوُلُ الشهيد القائد للآيات في القُــرْآن وتوضيحها وربطها بالواقع والأحداث وكيف أن القُــرْآن قد أوجد الحلول لكل المشاكل في كُــلّ الأزمان ورسم لنا صورةً واضحةً عن مَن هم أعداء الأُمَّــة بعدما كان القُــرْآنُ قد تحوّل لدى معظم الناس إلى مُجَــرّد نصوصٍ لتلاوتها وقراءتها في الصلوات.

مرةً أخرى يعودُ المجاهد يحيى طالع إلى ساحة صبر التي ينتمي إليها وهذه المرة كان واضحاً أنه كان لديه اهتمامٌ خاص بالشهيد الرئيس ورأى فيه رجلاً سيضيف الكثيرَ في إطار المسيرة القُــرْآنية، وهذه المرة أعطى الصمّادَ “كيس دعاية” مكتوب على أحد جنبيه شعار الصرخة في وجه المستكبرين والجانب الآخر كُتِبَ عليه شعار مقاطعة البضاعة الأمريكية والإسرائيلية، ورغم أن السلطة وأعوانها في ذلك الحين كانت قد بدأت حملةَ تشويه مشروع الشهيد القائد وإخافة الناس منه إلا أن دماثة وسعة صدر الصمّاد جعلته يأخُذُ ذلك الكيسَ بل ويضع كتبه وأقلامه بداخله ويذهبُ به إلى المركَزِ العلمي الذي يلقي دروسه لطلاب العلم وبدأ البعضُ بالغمز واللمز كما كان يحدث في ذلك الحين وبدأت التساؤلاتُ حول انضمامه لـ “الشباب المؤمن” بقيادة الشهيد القائد رغم أنه لم يكن قد فعل ذلك لكنه كان يقابِلُ ذلك بالابتسامة ولكن أيضاً كانت المحاضَرةُ قد أحدثت شيئاً كبيراً في وجدان الصمّاد وشغلت حيّزاً كبيراً من تفكيره.

 

  • شدّ الرحال إلى مرّان

فيما كانت محاضرةُ الشهيد القائد التي استمع إليها ما تزال تشغلُ تفكيرَ الرئيس الشهيد بعدما جاءت إليه من المجاهد يحيى طالع إلا أنه هذه المرة ذهب بنفسه إلى الأخير وطلب منه المزيد من الأشرطة لسماع المزيد من المحاضرات فحصل على أشرطة تحتوي على محاضرتين للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي وبعد الاستماع للمحاضرتين نكتشف كيف كانت شخصية الشهيد الصمّاد تواقّةً لمشروع يحَرّك الأُمَّــة وليس فقط يلقّنها النصوصَ فما كان منه إلا أن عزم وقرّر شدَّ الرحال إلى مرّان؛ للاستماع مباشرة إلى محاضرات الشهيد القائد في مجلسِه الكائنِ في منزله والذي ضاع صيتُه في أنحاء متفرقة من محافظة صعدة.

ولأَنّه عُرِفَ عن الرئيس الشهيد موهبتُه وقدرتُه على الإقناع فمكّنه ذلك من إقناع مجموعة من رفاقه يبلغ عددُهم بين خمسة إلى ثمانية أشخاص للذهاب معه إلى مرّان للتعّرف أكثرَ على مشروع الشهيد القائد وتلقّي محاضراته ودروسه ومن هنا بدأت الرحلة الأولى إلى مَــرَّان.

 

  • في حضرة الشهيد القائد: دهشةُ التواضع ودهشةُ المشروع

سافر الشهيدُ الصمّاد ورفاقُه من ساحة صبر في منطقة بني معاذ بمديرية سحار إلى منطقة مرّان بمديرة حيدان، وفي الطريق كانت الرحلةُ مشوّقةً لهم جميعاً، وكُلٌّ منهم يرسُمُ صورةً في خياله عن شكل وهيئة الشهيدِ القائد حسين بدر الدين الحوثي وعن مجلسه الذي ذاع صيتُه وحول طلابه ومُريدي مجلسه وعن مشروعه والشعار الذي أطلقه في وجه المستكبرين.

كان الصمّادُ شاعراً ومحباً للزوامل وله عدةُ مقاطع مصوَّرة يغرد بالزوامل التي كتبها بنفسه؛ ولأنه كان متعارفاً في صعدة أن الوفود التي تذهب إلى العلماء لتلقي الدروس أَو لأي سببٍ آخر يقوم الوفد بتأدية الزامل لدى وصولهم أثناء استقبالهم من قبل من شَدُّوا الرحال إليهم كنوع من التكريم لمكانة العالم، كتب الصمّاد “زامل” وبدأ مع رفاقه بتلحينه في الطريق على أمل أن يقوموا بتأديته لدى وصولهم إلى مَــرَّان ومقابلتهم للشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي.

وصل الصمّادُ ورفاقُه إلى مَــرَّان وهناك استقبلهم أحدُ رفاق الشهيد القائد وحين أخبروه أنهم يريدون تأديةَ الزامل الشعبي تكريماً للسيد حسين الحوثي طلب منهم الأولُ بلطف عدمَ القيام بذلك؛ كَـوْن الشهيد القائد لا يحبِّذُ ذلك، وأن بإمكَانهم أن يكتبوا أبياتِ الزامل في ورقة وسيتم تسليمُها له، فكانت تلك أول مفاجآت الوصول إلى مَــرَّان بأن عرفوا أولَ سمات السيد حسين الحوثي بالتواضع خلافاً لمن كانوا يحبُّون هذا النوع من التكريم.

تم إدخالُ الشهيد الرئيس ورفاقه إلى مجلس السيد حسين الحوثي، حَيثُ كان طلابُه بداخله وهناك استغرب القادمون من أن المتواجدين في المجلسِ يجلسون متوجّهين نحو الباب وقد ملأوا رأس المجلس الذي يُفترَضُ أنه مكانُ جلوس السيد حسين الحوثي -رِضْـــوَانُ اللهِ عَلَيْـهِ-.

بعد دقائقَ وصل السيدُ حسين الحوثي إلى مجلسه فساد الصمتُ في المجلس بعدما كان مَن فيه يتبادلون أطرافَ الحديث كما يحدث في أي مقيل يمني وفيما كان الصمّاد ورفاقه يتوقعون أن يدخلَ الشهيد القائد محاطاً بمرافقين ويشقُّ طريقَه إلى رأس المجلس إلا أنهم فوجئوا بجلوسه عندَ باب المجلس وفوجئوا بهيئته ولباسِه البسيط وغير المتكلف، وهنا اكتشف القادمون صفةً جديدةً من تواضُعِ الشهيد القائد.

ورغم أن الصمتَ الذي أحدثه دخولُ الشهيد القائد يوحي به إلا أن تواضُعَه غيرُ المتوقع جعل الصمّاد ورفاقَه غيرَ مدركين بأنه هو مَن دخل وجلس قُرب باب المجلس وليس في رأسه؛ ولذلك قام الصمّاد بتوجيه سؤال إلى أحد الحاضرين عن هُويَّة الرجل الذي دخل للتوِّ فأخبره أنه هو السيد حسين بدر الدين الحوثي.

في الحلقة القادمة سنعرفُ كيف تلقى الشهيدُ الصمّادُ ورفاقَه أولَ الدروس والمحاضرات في مجلس الشهيد القائد وكيف أثّرت فيه رحلتُه إلى مرّان، وبعد ذلك عودته إلى منطقته ساحة صبر وكيف قاد الصمّادُ أولَ صرخة في وجه المستكبرين تنطلقُ في منطقة بني معاذ وردود الفعل التي أبداها أبناءُ منطقته، وصولاً إلى دوره في الحربين الأولى والثانية وكيف اضطرَّ هو ورفاقه للاختباء فترةً طويلةً بعدما أصبحوا مطاردين من قبل السلطة وأعوانها وكيف تجاوَزَ محنةَ إصابته بالتهاب الدودة الزائدة والترتيبات السرّية التي مكّنته بشكل دراماتيكي من إجراء عملية جراحية فشلت وإجرائه عملية أُخْــرَى في ظل ظروف صعبة كان فيها ملاحقاً ومطارَداً وكيف كانت إرادته القويةُ وإيْمَانه بمشروع المسيرة القُــرْآنية عاملاً رئيسياً في تجاوزه لتلك الصعاب والمحن.

تليقرام انصار الله