عين على القرآن وعين على الأحداث

أميركا وإيران.. مخاطر الشطرنج والنقلات القاتلة

موقع أنصار الله || صحافة محلية || الميادين

لن يكون متاحاً للسعودية والإمارات تعويض النقص في إمدادات النفط إذا ما تفاقمت الأزمة بين إيران وأميركا. وعود الدولتين الخليجيتين ربما تتهاوى بأسرع من مؤشرات البورصة إذا ما نحت الأمور باتجاه السيناريوهات الأكثر سوءاً.

حتى الآن لم نصل اللحظة التي يحبس فيها العالم أنفاسه. لكنّ التصريحات المتوالية ترفع حرارة الترقّب بانتظار الخطوات الأميركية التالية. الإجراءات التي فرضها دونالد ترامب على إيران منذ نقضه الاتفاق النووي وصلت تقريباً إلى مرحلة الإشباع. تكاد إدارته تستنفد أوراقها الاقتصادية والمالية في محاصرة طهران. إن أقصى وأقسى ما يمكن فعله لإخضاع الجمهورية الإسلامية عبر الأدوات الناعمة جرى اللجوء إليه فعلاً. يكفي أن نستعيد هنا ما قاله ترامب عندما دخلت الحزمة الثانية من العقوبات حيّز التنفيذ في تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم. وصفها حينها بالأكثر شدة في تاريخ الولايات المتحدة.

الثاني من أيار/مايو 2019 سيشكل محطة جديدة في امتحان القوة الأميركية. سوف يدخل القرار الأميركي القاضي بتصفير صادرات النفط الإيراني موضع الاختبار مع تجاوزه إيران، ليطال كل من يتعامل معها نفطياً. اختبار ضبابي يصعب توقع نهاياته. المعادلات التي تحكم قواعد الصراع بين الطرفين تستقر حتى الآن على الوقائع التالية:

مقابل الإصرار الأميركي على منع شحنات النفط الإيراني، هناك إرادة إيرانية مقابلة على الاستمرار بتصدير النفط والالتفاف على العقوبات. كلام المرشد الإيراني في هذا الإطار يقطع الشك باليقين. “قادرون على تصدير النفط بقدر ما نحتاج ومتى نشاء”. قالها الرجل الذي يمثّل أعلى مرجعية في بلاده، مؤكداً أن الخطوة الأميركية المدعومة من الرياض وأبو ظبي لن تمر من دون رد، من دون أن يوضح طبيعة الرد.

الرئيس الإيراني حسن روحاني يبدو شديد الثقة بدوره وهو يصرح أنه “في الأشهر المقبلة سيرى الأميركيون بأنفسهم أننا سنواصل صادراتنا النفطية”. تتعزز هذه الثقة الإيرانية على ضوء التصريحات الصادرة من بكين وموسكو على وجه الخصوص والرافضة للقرار الأميركي.

بحسب ما نقلت وكالة “رويترز” يتوقع محللون أن تتجاهل الصين القيود الأميركية، خاصة أن واشنطن قد تتردد في معاقبة الشركات الصينية المستوردة للخام الإيراني، نظراً لكونها في ذات الوقت مشترياً مهماً للنفط والغاز من الولايات المتحدة.

بموازة هذه المعادلة الاقتصادية ثمة معادلة ميدانية تتعلق بقواعد الاشتباك في الخليج. حتى الآن تلتزم حاملات الطائرات وقطعات البحرية الأميركية بالتنسيق مع الإيرانيين لدى الدخول عبر مضيق هرمز.

هل يمكن أن يتغيّر ذلك؟ ماذا لو فشلت كل الإجراءات التي اتخذتها واشنطن في منع السفن الإيرانية من إيصال شحنات النفط إلى وجهاتها وتمرّدت الصين ودول أخرى؟ سيشكل هذا السيناريو حرجاً لترامب. لكنّ إذا أصرّ على خوض المخاطر يصبح الحل الوحيد المتبقي لتحقيق الإرادة الأميركية هو اللجوء إلى القوة العسكرية، إلا إذا كانت واشنطن تخبأ أرانب في قبعتها كمخرج من عنق الزجاجة.

في هذا السياق يشير مراقبون إلى أن ترامب لا يحتمل إبقاء الوضع الراهن ضمن معادلة “الستاتيكو” القائمة. هذا يعني أن إجراءاته ضد إيران فشلت. يعني أيضاً في سياق التحضيرات للانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة أنه لا يستطع أن يسوّق لإنجاز يتفوق به على سلفه باراك أوباما في ما خص الملف الإيراني.

في هذا الإطار تصبّ التصريحات بالغة الدلالة لوزير الخارجية الإيراني. من نيويورك، قال محمد جواد ظريف قبل أسبوع إن إيران ستواصل بيع النفط وسيستمر مروره عبر مضيق هرمز. أضاف “إذا لجأت الولايات المتحدة إلى منعنا من ذلك بإجراء جنوني مغامر فإننا سنردّ”. هذه التصريحات واكبتها وأعقبتها مناورات ورسائل عسكرية إيرانية تبدو كأنها تستبق أي مخطط أميركي يتجاوز خطوط طهران الحمر.

يلخص ظريف موقف بلاده من المعادلات القائمة فيقول “إذا منعنا من استخدام الخليج لأمننا، فلماذا نضمن استخدام الآخرين له”.

لم يستبعد رأس الدبلوماسية الإيرانية ضمن تصريحاته افتعال صدام عسكري مع إيران. أوضح أن هذا ما يخطط له قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية الفريق الرباعي المكون من الباءات الأربع: بن زايد وبن سلمان وبنيامين نتنياهو وبولتون. رباعي لديه بحسب ظريف أجندة سرية ويريد سوق أميركا إلى كارثة عسكرية.

بذلك يستعيد ظريف ما كانت نشرته مجلة “سبكتاتور” البريطانية الأسبوعية. تستند المجلة إلى مجموعة مقابلات مع مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين لتخلص إلى أنه في حال ضمن ترامب فوزه في انتخابات 2020 وفي حال لم يسقط النظام في إيران فإنه قد يلجأ إلى اتخاذ إجراءات عسكرية للتصدي لطهران.

بين المواقف السياسية والميداينة الصادرة من إيران يبرز تصريح رئيس “معهد أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي، اللواء عاموس يادلين الذي رأى أنّ “من الصعب جداً رؤية النهاية”.

يادلين يلفت إلى أن الإيرانيين تصرّفوا حتى الآن “بصبر استراتيجي وأملوا تغيير الإدارة في واشنطن، والآن يبدو أنه لن يكون أمامهم خيار إلا تنفيذ عدة خطوات مضادة، لكن الكرة ستعود إلى الملعب الإسرائيلي والأميركي، الأمر الذي من شأنه أن يرفع التوتر إلى أماكن لم نصل إليها من قبل”.

على رقعة الشطرنج التي تتنقل فيها الخطوات الإيرانية مقابل الأميركية يبدو كأن واشنطن صاحبة النقلة الأولى. تبادلها إيران خطوة بخطوة في لعبة أتقنتها وابتكرتها قبل أن تصدّرها للعالم. المفارقة أنه بينما يسود اعتقاد بتوسّع احتمالات المواجهة في الأفق تبقى موانعها شديدة الحضور في مصالح وحسابات الأطراف المتصارعة.

تحتاج السعودية إلى الاستقرار لتحقيق خططها الاقتصادية. إحدى هذه الخطط تقتضي تنويع مصادر الدخل وتحقيق التوازن المالي بحلول العام 2023، من خلال زيادة الإيرادات غير النفطية.

يحتاج ترامب إلى أسعار نفط منخفضة. أي توتر عسكري يفتعله في الخليج قبل موعد الانتخابات الرئاسية ستكون له ارتدادات سلبية على حملته. تدرك إيران ذلك مع علمها بعواقب إغلاق مضيق هرمز على سوق النفط وعلى الدول المصدرة والمستوردة على السواء.

يلعب ترامب بنظر بعض المراقبين لعبة حافة الهاوية. لعبة شديدة الخطورة إلى درجة قد ينزلق معها اللاعبون من رقعة شطرنج على مستوى المنطقة إلى “دومينو” تتداعى حجارته لترتد على العالم. ولأنها كذلك تبقى كل هذه الاعتبارات في الحسبان، وربما تمنع الانزلاق إلى أي نقلات قاتلة.

تليقرام انصار الله