عين على القرآن وعين على الأحداث

إمارات الخليج من نقاوة البداوة الى همجيّة الجشع

|| صحافة عربية ودولية || صحيفة الأخبار اللبنانية

في عام ١٩٧٣ – ١٩٧٤ أعلن الرئيس المصري أنور السادات تبنّيه لسياسة الانفتاح الاقتصادي، واعتبر أن نموذج الاشتراكية لم يحقق الرخاء للشعب المصري، وبدأ بفتح الأسواق المصرية للاستثمارات الخارجية، التي اشترطت وبدعم من البنك الدولي وصندوق النقد خصخصة القطاع الخاص، وبيع المؤسسات الإنتاجية التابعة للدولة للقطاع الخاص. ومن هذا المدخل تشكّل تحالف جديد بين أصحاب رؤوس الأموال في دول الخليج وأصحاب المصارف، والنخبة المحيطة المحسوبة على الرئيس السادات من أصحاب الثروة، وخاصة أولئك الذين تربطهم علاقات وطيدة بالمؤسسة السياسية والعسكرية في مصر. وأخذ الرأسمال الخليجي بشراء المؤسسات العامة بأبخس الأثمان، وينتج ما كانت تنتجه الدولة ويبيعها بأسعار أعلى، كما نشط استثماره في قطاع السياحة والعقارات، والمواد الغذائية ومراكز التجارة (المجمّعات الاستهلاكية الكبيرة) وبدأت بنوك الخليج بتقديم قروض للدولة المصرية بفوائد عالية النسبة، كما اشترت أسهماً في العديد من بنوك الدولة. وبات الرأسمال الخليجي مكوّناً أساسياً في الاقتصاد المصري والمغربي وحتى التونسي ولو بنسب أقل.

إن تزاوج وتحالف الرأسمال المصري والخليجي، كان لا بد أن يترك أثره على كافة الصعد في مصر، وخاصة في المجال الاجتماعي والسياسي. وعلى اعتبار أن الرأسمال يحتاج الى الاستقرار السياسي والأمني لاستمرار منافعه وأرباحه، كانت خطوة السادات لتوقيع اتفاقيات «كامب دايفيد» بعد محادثات سرية شارك فيها سرّاً عدد من الشخصيات الخليجية والمغربية قبل أن تظهر للعلن. واستناداً الى معاهدة «السلام» تلك، بدأت الاستثمارات الخليجية تنمو وتتسع في مصر حتى باتت، حسب أستاذ الاقتصاد السياسي آدم هنية تسيطر على٣٣٪‏ من الاقتصاد المصري. تطورت هذه الاستثمارات لتؤثر على السيادة المصرية. وما تبعية مصر السياسية للسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة إلا نتيجة لتأثير الرأسمال الخليجي، سواء في قطاعه الخاص أو قطاع الدولة. فحجم المساعدات والقروض التي تقدمها دول الخليج لمصر ساهمت في تقويض السيادة المصرية، وشاهدنا كيف تنازل النظام المصري عن جزر استراتيحية في البحر الأحمر للسعودية.

بالرغم من كل الصورة السلبية الناتجة من تراكم الثروة النفطية، إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل بعض النتائج الإيجابية لتوظيف قسم من هذه الثروة في مجالات، أهمها تحديث الخدمات الطبية والتعليمية. إضافة الى ذلك، فإن سياسة الابتعاث التعليمي في الخارج أدت الى تراكم خبرات محلية في المجالات المهنية المختلفة. وكان للمبتعثين فرصة أتاحت لهم الاطلاع على ثقافات مختلفة تماماً عن الثقافة السائدة في بلدانهم وأتاحت لكثيرين الاطلاع على تجارب الشعوب المختلفة، وخاصة في المجالات الاجتماعية والسياسية حيث تتوفر الحريات المدنية، واختبروا تداول السلطة والمراقبة على أداء الحكومة من قبل مجالس تشريعية منتخبة من الشعب. وكان لا بد لهذه التجارب من أن تعكس نفسها لدى عودة المبتعثين الى بلدانهم، حيث بدأت تظهر نواة حركات سياسية وثقافية تسعى إلى تحصيل مكاسب اجتماعية وسياسية تتناسب ووعيها السياسي وموقعها الاجتماعي. ساهمت هذه النواة في معظم هذه الدول في جعل الحكومة تتبنى أو تسمح بإقامة منتديات ثقافية، ومهرجانات وندوات ذات طابع سياسي، وكانت القضية الفلسطينية هي محور معظمها. إلا أنه كلما استشعرت الدول الخليجية تأثير وتمدد هذه النواة، كانت تتخذ إجراءات للحد من نشاطها تحت ذرائع مختلفة. لم تتمكن هذه النواة من اختراق الوضع القائم وتحقيق إنجازات ملموسة في المشاركة باتخاذ القرار في المملكة السعودية وفي الإمارات لم تجد غير الانتماء «للحركات الإسلامية» مثل «الإخوان المسلمين».

كما أسلفنا، كانت تربط دول الخليج وإيران الشاه علاقات ممتازة في إطار التحالف المشترك ضد الامتدادات اليسارية والشيوعية، وكانت دول الخليج وإيران جزءاً من آلية المخطط الأميركي لمواجهة امتداد النفوذ السوفياتي في المنطقة، وخاصة في الدول الوطنية كالجزائر وسوريا والعراق. وكان لا بد في هذا المجال من القضاء على الثورة في عُمان بمساعدة خليجيه إيرانية أتاحت للسلطان قابوس السيطرة الكاملة على كل المساحة العمانية. وكان لا بد من التآمر الدائم لإسقاط وإضعاف الحكم الاشتراكي في اليمن الجنوبية من خلال محاولة قلبه من الداخل، وقد تحقق لهم مرادهم في ثمانينيات القرن الماضي، وسقطت تجربة اليمن، الأمر الذي أدى الى وحدتها مع الشمال وسيطرة النظام في الشمال على مقدرات الجنوب.

أما الأمر الذي أثار مخاوف تلك الدول، فهو الثورة الإيرانية التي أطاحت نظام الشاه، وإعلان إيران نفسها دولة إسلامية «شيعية». ونظراً الى وجود نسب كبيرة من السكان في الخليج من ذوي الانتماء الشيعي، شددت تلك الدول القبضة القمعية الداخلية، ولجأت الى شخصية مثل شخصية الرئيس العراقي صدام حسين «القومي العربي» لمحاولة القضاء على الثورة الإيرانية في المهد وقبل أن يتمدد نفوذها في دول الخليج. وعليه، موّلت هذه الدول حرب العراق ضد إيران. وبعد انتهاء الحرب الإيرانية – العراقية خشيت تلك الدول من سطوة صدام حسين عليها، فكان لا بد من التآمر عليه لإضعافه اقتصادياً وجعله رهينة لديون تلك الدول، الأمر الذي أدى الى قيام صدام حسين باحتلال الكويت، ونشبت حرب الخليج التي أدت الى هزيمة قاسية للنظام العراقي أدت بدورها الى تعزيز التحالف الخليجي المصري، والى الوجود العسكري الأميركي الدائم في بلدان الخليج.

باشرت السعودية بمحادثات سرية مع دولة الكيان الصهيوني وبدأ العد العكسي لمحاصرة إيران

وفي أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، تمكّنت إسرائيل من ضرب المفاعل النووي العراقي، كما قامت باجتياح لبنان وإخراج المقاومة الفلسطينية من هناك. وما إن انتهت حرب الخليج الأولى حتى بدأت تلك «الإمارات» بتجفيف دعمها المالي لـ«منظمة التحرير الفلسطينية» ومارست ضغطاً على القيادة الفلسطينية لإيقاف الانتفاضة المجيدة، وأجبرتها من خلال ضغط أصحاب رؤوس الأموال الفلسطينية على القبول بالشروع في «محادثات سلام مع الكيان الصهيوني». فكان «مؤتمر مدريد للسلام» الذي أدى في ما بعد الى اتفاقيات أوسلو (1993) التي فتحت المجال للأردن بتوقيع اتفاقية سلام مع الصهاينة، وساهمت في إقامة علاقات تطبيعية مع العدو الصهيوني من قبل دول الخليج، وانتشرت المكاتب التجارية غير المعلنة للكيان الصهيوني في كل من الإمارات وعمان والبحرين والمغرب وتونس، وقامت الدول الإفريقية بإعادة علاقاتها مع دولة الكيان الصهيوني، بعدما كانت قد قطعتها إثر حرب ١٩٦٧. باشرت السعودية بمحادثات سرية ذات طابع استراتيجي مع دولة الكيان الصهيوني، وبدأ العد العكسي لمحاصرة إيران إقليمياً ودولياً. وفي خضمّ هذا المشهد، تشكّل تنظيم «القاعدة» بدعم من السعودية وقطر والمخابرات الأميركية، وبدأ بنشر فكر مذهبي وهّابي يحرّض فيه ويكفّر أصحاب المذهب «الرافضي» الشيعي، هذا الخطاب الذي جرى تدعيمه من قبل وسائل الإعلام التي انتشرت كانتشار الطاعون في المجتمعات العربية، وقد أحكمت دول الخليج سيطرتها على تلك الفضائيات. وكان الخطر الإيراني هو ما تغذي به هذه المحطات مشاهديها، وخاصة بعد انهيار منظومة الدول الاشتراكيه والاتحاد السوفياتي، الأمر الذي ساهم في انتشار الفكر الإسلامي كبديل «للفكر القومي العربي، والأيديولوجية اليسارية».

أخذ انتشار الفكر الإسلامي أشكالاً جديدة وغير مسبوقة، حيث بات لهذا التيار مؤسسات منتشرة في غالبية الدول العربية، تعمل بتغطية من الأنظمة من دول الخليج، إضافة الى بعض الدول الأخرى مثل مصر وتونس والمغرب. إلا أن تلك الأنظمة أخطأت في حساباتها السياسية، وخاصة بعد فوز التيار الإسلامي في تركيا بالانتخابات البرلمانية والسيطرة على الحكومة المقربة أو المحسوبة على «الإخوان المسلمين»، الأمر الذي شكل دافعاً للقوى الإسلامية في الدول العربية المختلفة للخروج من عباءة الأنظمة والسير نحو السيطرة على السلطة بشكل منفرد. وكان «الربيع العربي» الذي تمكنت من خلاله القوى الإسلامية، وهي الأكثر تنظيماً وانتشاراً في المجتمعات العربية، من السيطرة على البرلمان في تونس والمغرب وجمهورية مصر العربية، وفي فلسطين المحتلة والذي تجسد بسيطرة حركة حماس الإخوانية على السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في غزة.

لقد تخوفت أنظمة الخليج من «الربيع العربي»، رغم أنها ساهمت في إحداثه، إذ إنه أتاح للنخب في تلك البلدان المطالبة بالمشاركة في اتخاذ القرار، الأمر الذي أدّى بهذه الأنظمة إلى تخصيص ميزانيات ضخمة لتحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيها تخوّفاً من «تحركات شاملة». وفي الوقت ذاته، عملت تلك الدول على تقويض «الإخوان المسلمين» في مصر وتونس ونجحت في تحقيق ذلك في مصر، حيث ساهمت في تمويل انقلاب عبد الفتاح السيسي على «شرعية حكم الإخوان». بدأت تلك الأنظمة بشيطنة «الإخوان» وحركة «حماس». ولأسباب سياسية واقتصادية، لم تكتف أنظمة الخليج بذلك، ونظراً إلى المصالح المشتركة مع راعيها الولايات المتحدة الأميركية، عمدت بالتعاون مع تركيا والدول الأوروبية الى تحويل مسار النظام في سوريا من حليف لروسيا الى جزء من المنظومة الأميركية في المنطقة، وفي هذا الأمر مصلحة إسرائيلية أيضاً.

فأوروبا تعتمد على استيراد الغاز والنفط من روسيا، فكان البديل أن تلجأ أوروبا الى جهات بديلة، وكان الاختيار الغاز القطري. إلا أن كلفة استيراد الغاز القطري أعلى بكثير من كلفة استيراده من روسيا القريبة جغرافياً من الدول الأوروبية. فكان أن تمّ وضع مخطط لبناء أنبوب غاز يبدأ في قطر ويمتد الى الأراضي السعودية والأردنية ويصل الى الموانئ التركية عبر سوريا ومنه الى أوروبا. وبهذه الحالة لا يحتاج الأمر الى تسييل الغاز وشحنه بالبواخر العملاقة. إلا أن رفض النظام السوري لهذا الأمر، دفع الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا وأوروبا وإسرائيل الى تغذية «الانتفاضات الشعبية» في سوريا، ومن ثم المجموعات الإسلامية مثل «داعش» و«النصرة». والجدير بالذكر أن خط أنابيب الغاز القطري يقلّص أيضاً من حجم صادرات إيران من الغاز الطبيعي الى دول أوروبية واليابان.

إلا أن صمود النظام في سوريا الناتج من الدعم الروسي والإيراني، وخيبة الأمل الأميركية ــــ الإسرائيلية دفعت بهذه الدول الى شيطنة النظام الإيراني، وهكذا تتمكن دول الخليج من «إيجاد عدو خارجي» على أسس مذهبية تستطيع من خلاله تحشيد رأي عام محلي. ومن أجل محاصرة إيران، لا بد من السيطرة على المضائق البحرية الاستراتيجية مثل: قناة السويس، باب المندب ومضيق هرمز. ومن هنا، كان مشروع شن الحرب ضد اليمن للقضاء على القوى اليمنية المتحالفة والمدعومة من إيران. إلا أن صمود اليمن، وفشل المخطط في سوريا، وإلغاء الرئيس ترامب موافقة الولايات المتحدة على الاتفاق النووي، جعل تلك الدول تنفتح بشكل علني على الكيان الصهيوني والتعاون الاستراتيجي معه لتشكيل حلف على أساس المصلحة المشتركة في تقويض النظام في إيران الداعم الأساسي لحزب الله وحركة المقاومة الفلسطينية والاستغناء عن الدور التركي ومحاولة تقويض نظام إردوغان الداعم لحركة «الإخوان المسلمين» في المنطقة.

 

خلاصة

إن تراكم الثروة لدى حكّام الخليج كان لا بد له من إيجاد مساحات استثمارية خارجية تتيح له بسط نفوذه السياسي في المنطقة عبر إيجاد أنظمة «خاضعة لهذا الرأسمال» وإملاءاته، مثال: مصر والسودان والمغرب. كما يحتاج هذا التراكم الى من يحميه، فكان لا بد من الخضوع للإملاءات الأميركية، والتعاون الاستراتيجي مع إسرائيل، والأهم إيجاد عدو وهمي لتحشيد رأي عام محلي داعم ويبرر الإجراءات القمعية لهذه الأنظمة ضد أي صوت معارض، كما حصل في البحرين والإمارات والسعودية. إن الثروة التي يتحكم بها الأفراد، وتقتصر على خدمة جشعهم، تقود الى سلوك همجي لا يأخذ المواقف الوطنية والإنسانية بعين الاعتبار. وهذا السلوك يقود الى الدمار الذاتي.

عصام اليماني ” ناشط فلسطيني مقيم في كندا

 

تليقرام انصار الله