عين على القرآن وعين على الأحداث

دماء شهداء تموز 2006 تثمر بعد 13 عامًا.. هل حقق السيد ما وعد؟

|| صحافة عربية ودولية ||

بعد 13 عامًا من لحظة فارقة، أغلقت صفحة سوداء من عمر الأمة العربية قاطبة، لتفتح صفحات جديدة، تحمل من التحديات مقدار ما تكتب المجد حاضرًا ومستقبلًا، وترسم أملًا قائمًا على معادلات جديدة، خطها سماحة السيد حسن نصر الله، حين وقف هادئًا يقول عقب عملية خطف الجنديين الصهاينة: “لا أحد في هذا الكون يستطيع رد الأسيرين، بغير تفاوض غير مباشر وعملية تبادل”.

أطلق السيد وعده الصادق في تموز 2006 ، وأنجزه على أتم ما يكون، أمام عالم القطب الأوحد، وشرق أوسط متفسخ، كانت تنتظر رصاصة رحمة “التقسيم” من بوش وكوندليزا رايس، وكيان صهيوني أشبه بالسرطان، ظن لوهلة أنها فرصته التاريخية، للتقدم وملء فراغ الأنظمة العربية الخانعة المستسلمة في عجز وانكفاء شديدين، بل وتشجيع العدوان الصهيوني السافر بكل وسيلة ممكنة، من مؤسسات الدين الرسمية، إلى الإعلام، مرورًا بالتنسيق مع العدو مباشرة.

الأمة التي كانت في نزعها الأخير، وأنفاسها اللاهثة تتسارع قبل الموت القادم، إذ بها تقوم فجأة من ثباتها، بعقيدة الفداء، مستندة على كلمات “السيد” التي توسطت نشيد “الله أكبر”، المُذاع يوميًا على شاشة “المنار” خلال فترة حرب تموز: “لنثبت من جديد، أن الدم هنا ينتصر على السيف، وأن الدم هنا قهر السيف وهزمه، وأن الدم هنا حطم كل قيد، وأن الدم هنا أذل كل طاغية ومتكبر”.

انتصر لبنان، وأثبت “حزب الله” قدرة فائقة، ليس على مقارعة العدو الصهيوني في حرب صواريخ فحسب، بل على الصمود ميدانيًا على أرض المعركة، في مارون الراس ووادي الحجير، وسواها من المواقع التي ينبغي حفظها وتدريسها.. انتهى على يد الأبطال زمن الانسحاب والحصار والهزائم والاستسلام، انتهت حروب الأيام الست والساعات القليلة، والسلاح الصهيوني الذي بدا يومها في قمة قدرته، ما كان إلا وهم المهزوم وخوف الجبان من المواجهة.

تقرير لجنة إلياهو فينوغراد، رئيس لجنة التحقيق الصهيونية الخاصة، بمراجعة أداء القيادتين السياسية والعسكرية في حرب تموز، انتهى بكلمات واضحة لا تقبل شكًا أو تأويلًا: “أن حرب لبنان شكلت إخفاقًا كبيرًا وخطيرًا”، وهو ما يكفي للرد على جرذان فضائيات الخليج، أو تلك الدائرة في فلكها، والتي تزن صراعات التاريخ الكبرى بصكوك الرضا الأميركية الخضراء.

لكن السؤال الأهم من ذكريات الماضي، وهي عظيمة مبهرة، وستظل إنجازًا أسس لواقع جديد، ليس ما قبل 2006 كما بعدها بالتأكيد، هل حزب الله استمر في اكتساب مساحة التأثير وشروط الوجود في الواقع اللبناني، والعربي بأكمله، وهل كان خيار -ما تدعي إنها- الأنظمة العربية المعتدلة صائبًا، حين اختارت الاستسلام أمام واقع وجود قوة عالمية وحيدة، متفردة بالزعامة والقوة، ولا يمتلك غيرها، وقتذاك، القدرة على الحركة بإرادة غالبة نافذة لا راد لها، من قوى أخرى موجودة على الساحة.

بداية فإن المسرح العالمي هو أحد مفاتيح قراءة الفارق الهائل بين الأمس واليوم، فشروط اللعبة الإستراتيجية تغيرت، والعالم في طور تغيير عميق، يصب في صالح محور المقاومة، ويخصم كذلك من قدرة الولايات المتحدة على إمداد “بيت العنكبوت” بأسباب استمراره، كيانًأ شاذًا وسط محيط عربي هائل، ويفتح المجال لتوازن في حركة القوى العالمية المؤثرة في –وعلى- أحداث الشرق الأوسط المستقبلية.

الصين تحتوي صراعها مع واشنطن، قدر المستطاع حتى اللحظة، وتجاوز ناتجها المحلي -بمسافة واسعة- نظيرها الأميركي، وطبقًا لـ”تعادل القوة الشرائية” وفقًا لتقديرات البنك الدولي 2019، يبلغ الناتج المحلى الإجمالي الأميركي 21 ترليون دولار. أما الصين فيبلغ ناتجها 27 تريليون دولار، وصندوق النقد الدولي في تقريره لشهر نيسان/إبريل الماضي، أوضح أن حجم التجارة العالمي سوف يتراجع من 3.6 إلى 3.3%، ومعدل النمو الأميركي سيتراجع من 2.9 إلى 2.2% فقط، نتيجة للحرب التجارية التي يشنها “ترمب”، بينما النمو في الناتج الإجمالي الصيني سيتراجع من 6.6 إلى 6.3% فقط، وبالطبع يبقى أعلى كثيرًا من نظيره الأميركي.

القوة الأميركية تظهر مأزومة، في الداخل قبل الخارج، والسياسات المتهورة لـ “ترمب” مستمرة في صنع الشروخ بالجسد المنهك، وهي لا تستطيع الاستمرار بلعب دور حكم المباراة في الشرق الأوسط أو العالم، ولا تعطيها أوضاعها الاقتصادية المتراجعة القدرة على ضبط قواعد لعبة خطرة، وعناصر هيبتها نزفت ما لا يمكن تعويضه، خلال أزمة إسقاط الجمهورية الإسلامية لطائرتها الأحدث على الإطلاق، وعدم قبول القيادة في طهران مقترح “حفظ ماء الوجه” للنسر الأميركي العاجز بضربة صاروخية “مرتبة”، وخرجت إيران في النهاية صاحبة دور إقليمي واسع، لم يكن من الممكن أن يحجب عنها لأكثر من هذا، بحقائق القوة، وقبلها بأساس تاريخي ممتد ومؤثر.

حقائق الوضع الجديد، ودخول المقاومة العام الرابع عشر على انتصار تموز2006، هو ما كتب صدقية سماحة السيد في خطابه الأقوى، الشهر الفائت، بتهديد كل المصالح الأميركية في المنطقة بالإبادة.. كلمات لم نسمعها من أي زعيم عربي مقترنة بواقع قائم، وقادر، فالسيد لم يثبت أيدًا إنه وجه كلامًا في الهواء، أو أطلق تهديدات جوفاء، يغطيها الوهم ويدفعها الحنين لبطولات زائفة، على امتداد إطلالاته على جمهوره العربي عمومًا، كان الصدق عنوان السيد ولافتة المقاومة الأنصع، وهو ما يقوله المحللون الصهاينة بشأن الثقة في كلماته ومقابلاته المتعددة.

المقاومة الآن أقوى من أي وقت مضى، وبشهادة عدوها قبل أصدقائها وحلفائها ومحبيها، قادرة على قيادة صراع أوسع من ذي قبل، بصواريخ دقيقة، وببنك أهداف غني وقاتل، وبقدرة فائقة على الاستمرار بوتيرة عالية في الضرب والاستهداف طويل المدى، وبحلف أثقلته تجربة سوريا خبرة فوق خبرة.

وعلى مستوى الفعل الشعبي، وهنا أتحدث بقلب مواطن عربي وقع أسيرًا لحكومة اعتبرت صندوق النقد الدولي القبلة والملجأ والوحي، فإن وجود “حزب الله” فاعلًا في معادلة القرار اللبناني، نجا بالبلد من مصير مشابه للمصير المصري، رفض الحكومة اللبنانية لنصيحة الصندوق بتعويم “الليرة” لا يمكن فصله عن توجهات الحزب ونوابه ووزرائه لمصلحة المواطن اللبناني، وجود الحزب معزز بانتصار تموز أنقذ لبنان اقتصاديًا واجتماعيًا، كما منحه الحماية عسكريًا، وكما نفذ أفضل مشروع إعمار بعد حرب 2006.

وهذه النقطة الأخيرة تبقى دلالية وفارقة، وليست كبقية الأفعال المطروحة للنقاش، إذ تعد مهمة تطوير المجتمع، وأن يعبر الحزب الشعبي عن مصلحة الناس وأمالهم وتطلعاتهم وخدمة قضاياهم تحد هائل، وكان الحزب –كعادته- صانعًا للحاضر، ومقاتلًا في الجبهة المدنية في سبيل المستقبل.

ويبقى الوضع على الناحية الأخرى مهمًا، لمناقشته، ما الذي جرى منذ النصر في 2006 حتى اليوم، في السعودية، الدولة التي عدت نفسها قائدة لحلف عربي ذميم، استهواه الركوع تحت أقدام العدو، حتى بات التطبيع العلني شعار المرحلة في كل دولة أدانت المقاومة خلال حرب لبنان.

السعودية تحت حكم سلمان وابنه تسير من سيئ لأسوأ، وفضائحها الإجرامية في اليمن تشهد على فشل مروع، في السنة الخامسة لعدوانها بدأ الجيش اليمني وأنصار الله في استهداف أبعد مناطقها، كما في الدمام، وضرب مجمع البترول الهائل، ضربات دقيقة وموجعة، جعلت من الاستمرار في الحرب بشكلها الحالي انتحارًا مؤكدًا.

 

وفقدت السعودية بسبب حربها العدوانية على اليمن لمكانة كانت أهم أدوات فعلها في الأقليم، بفضل احتضان الدولة لأقدس الأماكن الإسلامية من جهة، وفوائض النفط الضخمة من جهة أخرى، والأولى مهددة بعد أن زادت دعوات مقاطعة الحج والعمرة، بتكاليفهما المتزايدة، والتي تصب صبًا في خزائن آل سعود، في العام الماضي 2018، تجاوز عدد المعتمرين 19 مليونًا، متوسط إنفاق كل واحد منهم نحو 1000 دولار، أي 19 مليار دولار، تتحول فورًا وتلقائيًا لقنابل وصواريخ يقتل بها أطفال اليمن، وهو ما يحرض على زيادة دعوات المقاطعة، والتي تدل على إفلاس سياسي كامل، يتفاعل مع إعلام عالمي بدأ ينقلب على الأسرة المالكة، منذ جريمة اغتيال “خاشقجي” تقطيعًا بمنشار في قنصلية بلاده باسطنبول.

الأوقح في مسيرة المملكة، التي بدأت ما تقول إنه رؤية للعام 2030، وتنسبها لولي العهد، أنها دخلت العام الحالي مؤشر البؤس الاقتصادي العالمي، وحلت في المرتبة العاشرة، والمؤشر الذي يعني بقياس معدلي التضخم والبطالة كأكثر المعدلات الاقتصادية تماسًا وتأثيرًا على حياة المواطن العادي، يعطي فكرة جيدة عن مآل الإصلاح المزعوم للأمير المندفع.

أغنى بلد عربي سقط في اختبار العبور لعصر ما بعد النفط، وخسر رهان المستقبل، بل فشل في استثمار عصر النفط من الأساس، وبداية من 2016  تلجأ السعودية لتمويل العجز المتحقق عن طريق السحب من الاحتياطي، وإصدار أدوات دين تشمل الصكوك والسندات، إضافة إلى اتجاهها للاقتراض، وأدى سحب نحو 180 مليار ريال خلال 2016 من الاحتياطي العام، إلى تراجع الاحتياطي بنسبة 28%، ليبلغ 474 مليار ريال بنهاية أكتوبر/تشرين الأول 2016، فيما كان نحو 654 مليار ريال نهاية 2015.

ودخلت السعودية العام المالي الحالي إلى أسواق المال العالمية كمستدين، بعد أن أجبرها “ترمب” العام الماضي على توقيع عقود صفقات أميركية بمبالغ في حدود 480 مليار دولار، إضافة إلى إنفاقها العسكري الهائل، والذي يظهر بلا جدوى في اليمن، إذ يتجاوز الإنفاق العسكري السعودي نظيره الروسي، حيث يبلغ الإنفاق على التسلح 87 مليار دولار، بينما يبلغ في روسيا 66.4 مليار دولار فقط، ويبقى الإنفاق العسكري السعودي هو الثاني عالميًا كحصة من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 13.7%، وهي نسبة هائلة، إذا ما وضعنا في الاعتبار أن النسبة العالمية للإنفاق العسكري لا تتجاوز 2.1%.

صفحة التاريخ القديمة توشك على توديعنا، إلى غير رجعة، كعنوان للتراجع، بينما يدخل أبناء المقاومة –ولبنان بالأخص- العالم الجديد من بابه الملكي الأوسع، صانعين للتاريخ، وممسكين بزمام الحاضر، يعلنون أهدافًا هم على يقين بقربها وقدرتهم على تحقيقها، بينما يمكث غيرهم في هوانين، ذل الفقر وعار الخيانة.

موقع العهد | أحمد فؤاد

 

تليقرام انصار الله