عين على القرآن وعين على الأحداث

عاشوراء ثورة إنسانية قرآنية

|| مقالات || طه هادي الحاضري

»الثورة الحسينية« أو »ثورة عاشوراء« و »يوم كربلاء« هذا الأسماء تطلق على الحدث التأريخي العظيم والمشرف الذي سجله التأريخ الإسلامي كموقف يُقتدى به, ويُسار عليه كمبدأ, ويُؤمن بصوابيته كموقف حق أمام الباطل, وأمام سلطان جائر عند أغلب المؤرخين إلا قلة من شواذ التاريخ والعقيدة الذين تعاملوا مع هذه الثورة التعامل الذي أرادته وأملته السلطة الأموية التي أخبر النبي عن سفهاءها وغلمانها وأخبر عن جناياتهم الكبرى المتمثلة في محاربة الدين وطمس أصل من أصوله وهو الأمر بالمعروف والنهي عني المنكر والسعي لتعطيل أحكامه، وهذا ما حذر منه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال لأمته: »هلكة أمتي على يد غلمة من قريش« وفي رواية: »إن فساد أمتي على يدي غلمة من قريش«. والهلاك والفساد تأباه الفطرة الإنسانية وترفضه ولا يمكن بحال أن تكون نفسية المؤمن الصافية وفطرته السوية منسجمة أو مهادنة للظلم والفساد ومتماشية معه وقابلة به في واقع الحياة.

 

إن ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة إنسانية إسلامية قرآنية اختزلت كل المعاني الإنسانية وتلخصت فيها كل المعاني الإسلامية، وكانت ولا زالت ترجمة لمحكم الآيات القرآنية التي خالفها الطغاة والظلمة ولا زالوا وهذا ما عبر عنه الإمام الحسين بقوله: »ألا ترون الحقّ لا يعمل به, والباطل لا يتناهى عنه, ليرغب المؤمن في لقاء الله, وإنّي لا أرى الموت إلا سعادة, والحياة مع الظّالمين إلا برماً«. هكذا يعبر الإمام الحسين عن الموقف الفطري والإنساني المنسجم مع إنسانية الإنسان السوي الطبع المستقيم التفكير وهذا هو ديدن الأحرار ، وهذا الموقف الحسيني هو الموقف الذي  الذي بعث الله الرسل في كل أمة من أجله قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ ودعا إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الأمة الإسلامية عندما ترى من ينحرف من الحاكمين وينسلخ من الأمراء الجائرين من الدين، فحذّر النبي من إعانتهم وتصديقهم وتبرير انحرافهم وشرعنة ظلمهم بالدخول عليهم أو المداهنة لهم، فقال معلماً ومرشداً لهذه الأمة وهو يخاطب أحد الصحابة قائلاً له : »ياكعب بن عجرة، أعاذك اللّه من إمارة السفهاء« قال: وما إمارة السفهاء، قال: »أمراء يكونون من بعدي لا يهتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولايردون على حوضي، ومن لم يصدقهم على كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني، وأنا منهم، وسيردون على حوضي، يا كعب بن عجرة، الناس غاديان مبتاع نفسه فمعتقها، أو بائعها فموبقها«.

 

ولأن الحسين من النبي والنبي من الحسين فقد امتثل الأمر النبوي وباين الطغاة وباينونه وأخافهم وأخافوه، ونطق بكلمة الحق عندما عربد الباطل، وصدع بالعدل حين ساد الظلم، وسعى للإصلاح حين خيم الفساد، وصحح الأفكار والمفاهيم والثقافات حين اعتلى على منبر النبي من يزور الوعي ويزيف الحقائق ويسيء إلى الدين. حيث قام خطيبا صادعا بالحق مبينا لشرعية خروجه ومؤصلا لمبدأ ثورته قائلاً: »أيها الناس ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : »من رأى سلطاناً جائراً ، مستحلاً لحرم الله ، ناكساً لعهده ، مخالفاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول ، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله « ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهرو الفساد ، وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء ، وأحلوا حرام الله ، وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غيري ، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم وأنكم لا تسلموني ولا تخذلوني ، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ، وأنا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسي مع أنفسكم ، وأهلي مع أهلكم ، فلكم بي أسوة ، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ما هي لكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ، والمغرور من اغتربكم ، وحظكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه وسيغني الله عنكم ، والسلام«.

 

إن الدلالة الحقيقة لقول النبي: »حسين مني« هو هذا الموقف وهذا الخطاب التنويري الثوري وهذه الثورة التي تعتبر تجسيدا حقيقيا للغاية العظيمة التي أرسل الله الرسل من أجلها قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ فكانت ولا زالت الثورة الحسينية مصدر إلهام للإنسانية وليس لأبناء الأمة الإسلامية فحسب فحين يعربد المعربدون ويفجر الفاجرون ويسعون في الأرض فساداً  لا بد للأحرار في هذه الأمة من موقف ونهضة يعيد للقرآن عطاءه وأثره في تغيير الحياة إلى حياة كريمة وعزيزة تقول لكل متكبر وظالم ومستبد يريد أن يتخذ مال الله دولا وعباد الله خولا: »هيهات منا الذلة«.

 

وبين الإمام الحسين السبب الذي يجعل الإنسان الحر  يأبى الاستذلال والقهر وسياسة التركيع فقال: »يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون« فالله يحرم الرضا بالذل والسكوت عنه والمهادنة معه لأن الله تعالى خلق بني آدم مكرمين وفطرهم أعزاء وأي إنسان يقبل بالذلة ويرضى بها ويتعايش معها فقد انسلخ من إنسانيته وتنازل عن رجولته وآدميته وصار أحط منزلة من البهائم لأنه عطل عقله الذي أنعم الله به عليه ليكون به قويا وعزيزا وكريما ومحترم الدم والمال والعرض والوجود والإرادة لا يستذله أو يستعبده أحد ولا يكون عبدا ذليلاً خاضعاً مطيعاً إلا لله رب العالمين مالك أمر الدنيا والآخرة.

 

إن الإنسان الحر والمؤمن الواعي الذي وعى حقيقة الإيمان من خلال القرآن واستقاه من خلال سيرة النبي وسلوكه عندما يخير بين طاعة اللئام وإضفاء الشرعية على الحكام السفهاء والمنحطين والتافهين والفاسدين المحسوبين على الإسلام والحاكمين باسم الإسلام فإنه يختار الموت بكرامة ويفضل باطن الأرض على ظاهرها، وهذه القيمة أو الخيار الثوري هو الذي جعله الإمام الحسين شعارا وخيارا لكل الأحرار فقال: »وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وجدود طابت وحجور طهرت أن نرضى بطاعة اللئام على مصارع الكرام« وعبر في أبيات من الشعر عن حرمة المساومة على حياة الذل والإرغام والسيطرة من قبل أراذل الخلق وسفلتهم فقال:

 

سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى

 

 

 

إذا ما نوى حقاً وجاهد مُسْلما

 

وواسى الرجالَ الصالحين بنفسه

 

 

 

وفارقَ مثبوراً وحارب مُجْرما

 

فإن عشتُ لم أندمْ وإن متُّ لم أُلَمْ

 

 

 

كفى بك داءً أن تعيشَ وتُرْغما

 

 

إن الإنسانية اليوم والمسلمين قاطبة في أمس الحاجة للاستفادة من الثورة الحسينية والاقتباس من النهج الحسيني والدراسة الواعية والصادقة لمسيرة العطاء الكربلائي والجود العاشورائي الذي لا زال إلى اليوم يخيف الطغاة ويرعبهم ويحاصرهم في قصورهم ويقض مضاجعهم ويجعلهم في عداء مدروس لهذه الثورة وتشويه ممنهج لأبعادها ومضامينها المتوافقة مع القرآن ومع حقيقة النبوة فهي ثورة إحيائية لمعارف القرآن ومعالم النبوة ومن يحب النبي حقا لا بد أن يقوده هذا الحب إلى السير على خطى الإمام الحسين والحب الحقيقي للنبوة يحرم ويجرم ويرفض محاربة النبي ومحاربة الإمام الحسين الذي أنزله النبي منه بالمنزلة الخاصة المعبر عنها بـ»حسين مني« ودعا النبي لمن أحب الإمام الحسين بأن يحبه الله فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: »حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا«. وهل الحب إلا الاتباع والاقتداء والتخلق بأخلاقه والتأثر بشخصيته والولاء له والمناصرة لمواقفه التي وقفها في وجه السلطان الجائر والحاكم الفاسد هذا الوقوف الذي تدعمه آيات القرآن وتؤيده حيث يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾  وقال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾وقال عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ. وقال الحق سبحانه: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ *  الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾.

 

فالقرآن يقف إلى صف المظلومين لا الظالمين ويؤيد شرعية المصلحين لا المفسدين ويحرك مشاعر وضمائر المستضعفين ليقاوموا المستكبرين ويصارعوهم حتى يصرعوهم أو يسقطوا شهداء حتى يلحقوا بركب العظماء حمزة والحسين وزيد وحسين العصر الحسين بن بدر  الدين الذي بناه القرآن بناء ثوريا ضد طغاة العالم من عرب وأعراب وعجم وصار القرآن الكريم هو مصدر الثورة والتغيير والتصحيح لمن رتله ترتيلا وتلاه بعقله وقلبه واستنار بنوره واستبصر ببصائره فحيا ببينة وعلى نور من ربه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولقد أحيا الإمام الحسين بن علي بثورته البينات وعمل بمحكم الآيات وأقام الحجة على جميع المؤمنين والمؤمنات بل على الإنسانية التواقة للحرية والكرامة والعدل ولن تعاد للامة الإسلامية أمجادها وتسترد كرامتها وحقوقها ومهابتها إلا إذا عرفت الله حق معرفته وعرفت الثقل الأكبر القرآن الكريم والثقل الأصغر قرناء القرآن وتمسكت بنهجمهم ووعت منهجهم وعرفت من هو الحسين؟ ولماذا ثار؟ ومن أجل من ثار؟ وما هي التعاليم التي أوصانا بها؟ والنهج الذي تركه لهذه الأمة؟

تليقرام انصار الله