عين على القرآن وعين على الأحداث

التفريط ليس عند الحدث بل يوم تسمع التوجيهات فلا تعطيها أهميتها

|| من هدي القرآن ||

ورأينا أيضاً – أيها الإخوة – كيف يكون الجانب الآخر – وهو ما كنا نقوله أكثر من مرة – : إن الجرائم ليست في العادة هي نتيجة عمل طرف واحد فقط, المجرمون من جهة, المضلون من جهة يجنون، والمفرِّطون والمقصرون والمتو انون و(اللا ئبا ليون ) هم أيضاً يجنون من طرف آخر.

فالجريمة مشتركة، الجريمة مشتركة من أول يوم حصل الإنحراف بمسيرة هذه الأمة عن هدي القرآن، وهدي رسول الله (صلي الله عليه وعلى آله وسلم). وكيف يمكن أن يسمع الناس منطق الحق ثم نراهم في يوم من الأيام يقفون في وجه الحق، في صف الباطل، هذا هو الذي حصل بالنسبة لأهل العراق.

معاوية أضل أهل الشام فكانوا قاعدة لإمارته وخلافته، وقاعدة لخلافة ابنه يزيد، وكانوا جيشاً قوياً يتحركون لتنفيذ أهدافه، وأهل العراق من جانب آخر، ما الذي حصل؟ ألم يعش على عليه السلام بينهم سنين خلافته ماعدا الأيام الأولى منها كانت في العراق؟ وعلى ببلاغته، على بمنطقه، على بحجـته، على بمعرفته وعلمه الواسع ((باب مدينة العلم)) هو من كان دائماً يتحدث مع أهل العراق، من كان دائماً يوجه ويتحدث ويرشد ويعلِّم ويحذِّر وينذر من عواقب الأمور.

فلماذا رأينا أهل العراق يقفون هم قبل أهل الشام في صف يزيد في مواجهة الحسين نفسه؟ إنه التفريط، ليس فقط التفريط أمام الحدث، بل التفريط يوم تسمع التوجيهات فلا تعطيها أهميتها، أن تحصل حادثة معينة، فتتقاعس، تقاعسك، قعودك، إنما هو نتيجة لتفريطك الأول يوم كنت تسمع توجيهات علي، يوم كنت تسمع إنذار علي، يوم كنت تسمع الحِكَمَ تتساقط من فم علي كالدرر، فتنظر إليها وكأنها بَعَر، لا تهتم بها.

التفريط التفريط إنما هذا منبعه: يوم أن يسمع الناس الكلام، ويسمعون التوجيهات ويسمعون منطق الحق ثم لا يهتمون ولا يبالون، ولا يعطون كل قضية ما تستحقه من الأهمية.

لماذا تربع أبو بكر على الخلافة بعد أن سمع المسلمون ما قاله الرسول (صلي الله عليه وعلى آله وسلم) في يوم الغدير وما سمعوه قبل ذلك وبعده؟ سمعوا علياً، وسمعوا محمداً، وسمعوا كل شيء، لكن [وأبو بكر لا بأس المهم واحد] حالة اللامبالاة.

من هنا بدأ التفريط، فتربع أبو بكر على الخلافة، ولولا أبو بكر لما كان عمر – كما قال عبد الله بن حمزة – ولولا عمر لما كان عثمان، ولولا عثمان لما كان معاوية، ولولا معاوية لما كان يزيد. لولا تفريط أولئك لما كان أبو بكر من البداية، ولولا تفريط أهل العراق يوم كانوا يسمعون علياً يتحدث، ومن أبلغ من على بعد القرآن وبعد الرسول؟! ومن أبلغ من منطقه؟! ومن أعظم أثراً – إن كان هناك ما يمكن أن يترك أثراً – بعد القرآن وبعد كلام الرسول (صلي الله عليه وعلى آله وسلم) من مثل كلام علي عليه السلام ؟!

ذلك التفريط هو الذي جعل أهل العراق قبل أهل الشام يصلون إلى كربلاء فيحاصرون الحسين عليه السلام وأهل بيته، وجعلهم قبل أهل الشام يوجهون النبال إلى صدره، وهم من عاش بينهم على عليه السلام سنين سنين يحدثهم ويعظهم ويرشدهم؛ لماذا؟ ما الذي أوصلهم إلى هذا الحد؟

هم فرطوا، وعندما يفرط الإنسان فيما يسمع ستأتي البدائل المغلوطة، إما أن يتلقاها من أمثاله ممن يفهمون الأمور فهماً مغلوطاً، ممن لا يعرفون عواقب الأمور، أو من جهة نفسه هو فيكون هو من يحلل، ومن يحاول أن يضع لكل قضية حداً معيناً، يظن أنها لا تتجاوزه، ربما كانوا يتصورون أن الحسين هو المشكلة، يمكن أن يُصفى الحسين وتبقى الأجواء طبيعية.

بعد أن قُتل الحسين عليه السلام هل بقيت الأجواء طبيعية؟ هل استقر وضع أهل العراق؟ أم بدأ العراق يغلي، أم بدأت النكبات، والكوارث تتابع على أهل العراق جيلاً بعد جيل إلى هذا العصر الذي نحن فيه؟ لم يسلم أهل العراق، لم يسلم لهم دينهم، لم تسلم لهم دنياهم، لم تسلم أنفسهم.

ما أسوء الإنسان أن يسمع كلمة الحق ثم يرى نفسه في يوم من الأيام يقف في وجه الحق يضربه بسيفه! إنه أسوء من ذلك الذي تربى على الضلال من يومه الأول، إنه أسوء من أولئك؛ ولذلك تجد مثلاً واضحاً على هذا، أليس تاريخ العراق أسوء من تاريخ سوريا؟ أليس العراقيون في كل عصر لا تجد شعباً من الشعوب في البلاد العربية أكثر نكبات، وأكثر مآسي من شعب العراق نفسه؟ لأن شعب العراق هو الذي سمع علياً أكثر من أي شعب آخر،

على عليه السلام خرج أياماً معدودة إلى اليمن، وبقي أياماً معدودة في المدينة بعد خلافته، وكان في المدينة لا يتفوه بكلمة في ظل الخلفاء الثلاثة، لا يريدون أن يتفوه بكلمة، لكن معارفه وتوجيهاته وحكمته انصبت في الكوفة على آذان ومسامع أهل العراق ففرطوا، ففرطوا، فكانت عواقبهم أسوء من عواقب أهل الشام أنفسهم.

وعندما يكون الإنسان من هذه النوعية فقد يصحوا في يوم من الأيام لكن في الوقت الذي لا ينفع. أهل العراق ندموا بعد، وتاب الكثير من تفريطهم في الإمام الحسين عليه السلام إذ لم ينصروه وخرجوا ثائرين، وقتلوا مَنْ قتلوا الحسين عليه السلام وثاروا، ثأروا لقتله لكن بعد فوات الأوان، بعد فوات شخصية عظيمة كالحسين عليه السلام.

لو كانت تلك التضحية، لو كان ذلك الصمود، لو كان ذلك التفاني، لو كان ذلك الإهتمام، لو كان ذلك الوعي في وقته، يوم كان الحسين متوجهاً إلى الكوفة لاستطاعوا أن يغيروا وجه التاريخ بأكمله، وليس فقط وجه العراق، لاستطاعوا أن يعيدوا الأمة إلى ما كان يريد لها الرسول (صلي الله عليه وعلى آله وسلم) أن تكون عليه،

[الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]

دروس من هدي القرآن الكريم

(دروس من وحي عاشوراء)

ألقاها السيد/ حسين بدر الدين الحوثي / رضوان الله عليه.

 

بتاريخ:10 محرم /1423 ه‍

الموافق: 23/3/2002م

اليمن – صعدة.

 

 

تليقرام انصار الله