عين على القرآن وعين على الأحداث

“الجفاف”.. مصير السلام مع الصهاينة

موقع أنصار الله || صحافة عربية ودولية || العهد الاخباري: أحمد فؤاد

 

لا تصالح

ولو توّجوك بتاج الإمارة

كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ؟

وكيف تصير المليكَ

على أوجهِ البهجة المستعارة؟

كيف تنظر في يد من صافحوك

فلا تبصر الدم

في كل كف؟

إن سهمًا أتاني من الخلف

سوف يجيئك من ألف خلف.

أمير شعراء الرفض العربي أمل دنقل

 

قبلت مصر بسد النهضة حين أهالت التراب على سيرة جمال عبد الناصر، واعتبر حكامها الجدد في زمن “كامب ديفيد” إن المقاومة عار وصراع خاسر، قبلت مصر بسد النهضة حين تجاهلت الآثار المدمرة لاتفاقية نيفاشا المؤدية لانفصال جنوب السودان في شباط/فبراير 2011، وغضت البصر عما يجري في عالمها العربي، قبلت مصر بسد النهضة حين ودعت إفريقيا وظنت واهمة إنه من الممكن الاستعاضة عنها بأوروبا، وقبلت مصر بسد النهضة حين لعبت الكرة، بدل السياسة، وفي الوقت الضائع.

المصيبة ليست محصورة في الماضي، وفقط، الكارثة الأكثر خطورة على وجود مصر، البلد مهددة فعلًا وواقعًا بفقدان 95% من مواردها المائية، وكل ما يهم النظام الحاكم في اللحظة الحالية هو الهروب من تحمل مأساة توقيع اتفاق “إعلان المبادئ”، الذي خوّل لإثيوبيا التلاعب بمصر، وكسب الوقت، حتى بات السد حقيقة لا خيال.

لكن، وقبل أن نحاول استشراف ما هو متاح أمام مصر، للعمل في اللحظة الأخيرة قبل الجفاف النهائي لدولة عربية كبيرة قامت حضارتها ووجودها ذاته على نهر النيل، كما خطها المؤرخ الإغريقي هيرودوت “مصر هبة النيل”، لا بد أولًا من وضع بعض النقاط الكاشفة على حروف يجرى تزييفها، علها تعطي نتائج تخدم هدف النظام في إبعاد المسؤولية السياسية عنه.

“ثورة يناير” لم تكن ضد ملائكة، ولم يقم بها شياطين، مبارك فسد وأفسد، باع وتآمر على البلد، وكل مصيبة حاضرة هي نتيجة لجمود 30 عامًا، كانت البلد تنزف دمائها وخيرة عقولها، وخرجت يناير كصرخة شعبية مفاجئة وعظيمة في وجه الطغيان، وربما يسجل التاريخ ـ في مستقبل قريب ـ أن عيب الثورة الأساسي إنها لم تجتث النظام الحاكم من جذوره، وتركت الطبقة الأميركية تعيد تشكيل وجهها القبيح بآخر أقبح وأضل سبيلًا.

قبل الثورة المصرية بأيام قليلة، في كانون الثاني/يناير 2011، أقام نظام المخلوع مبارك بطولة كرة قدم، تحت لافتة “دورة حوض النيل”، تتناساها الأغلبية، بسبب وقوعها بين تفجير كنيسة القديسين المروّع وثورة يناير 2011، بالطبع الهدف الأول كان تدعيم علاقات مصر بدول حوض النيل، باستخدام فريق الكرة الوطني بطل القارة لثلاث دورات متتالية، وقتذاك، ونجومه المشاهير.

الاتجاه المصري كان يعكس أزمة هائلة، بعد انسحاب مصري طويل، أعقب محاولة اغتيال المخلوع في العاصمة الإثيوبية “أديس أبابا”، قبل مشاركته في القمة الإفريقية، شهر حزيران/يونيو 1995.

تقدم الكيان الصهيوني لسد الفراغ، ونجح في إقامة علاقات متينة مع أغلب دول إفريقيا، ومن بينها دول حوض النيل، وتدفقت المشروعات المائية على دول تحلم بالتنمية والكهرباء، وكانت النتيجة الحتمية توقيع اتفاق “عنتيبي”، بأوغندا، في آيار/ مايو 2010، وهو الاتفاق الناسف لحقوق مصر طبقًا لاتفاقيتي 1929 و1959.

خلال السنوات التي أعقبت الثورة، استكملت إثيوبيا خطتها لإنشاء السد، مستفيدة أولا من وضع اقتصادي يتحسن باضطراد، ما منحها القدرة على جذب شركات عالمية، للمشاركة في الأعمال اللازمة للسد الضخم، ثم الغياب المصري في فترة حكم المجلس العسكري، وبعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، جُمدت عضوية مصر بالاتحاد الإفريقي عامًا، ما ساهم في تأخير أي تحرك سياسي.

اتفاق إعلان المبادئ، في العام 2015 منح الشرعية لإثيوبيا لبناء سدها الضخم، ولم يؤكد في المقابل على الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، ونزع ببساطة حق الفيتو (الاعتراض) الموجود في اتفاقية 1929 على إنشاء أية مشروعات تضر بنصيب مصر أو السودان على النيل الأزرق.

ولتخيل حجم الكارثة المقبلة، فإن حجم البحيرة خلف سد النهضة هي 74 مليار متر مكعب تقريبًا، تصر أديس أبابا على ملئها خلال فترة لا تتجاوز 4 سنوات، وتعضد موقفها اتفاقية “إعلان المبادئ” المروعة، وبالتالي فإن مصر مهددة بفقدان نحو 14 مليار متر مكعب سنويًا من حصتها البالغة 55 مليارًا، مع الوضع في الاعتبار إن نقص مليار متر مكعب فقط يعني توقف الزراعة في مائتي ألف فدان، لن تصلها المياه، أي أن 2.8 مليون فدان ستكون أرضًا بورًا خلال فترة ملئ السد، ومع الاتجاه الأكيد لتعويض جزء من الحصة عن طريق بحيرة ناصر (بحيرة السد العالي) فإنها مهددة هي الأخرى بالجفاف.

ويمكن بطبيعة الحال تخيل تصرف إثيوبيا حين تحل مواسم الجفاف، وهي دورية في حوض نهر النيل، فهي لن ترسل المياه من الأساس وتضحي بمصالحها، مع وجود اتفاقية وقعتها مصر تؤكد الحق الإثيوبي وتتجاهل المصري.

عند هذا الحد، ومع التعنت الإثيوبي، كان الدور الصهيوني يخرج إلى النور، جاعلًا من التدخل العسكري في مواجهة التهديد الأخطر كابوسًا، بعد نفاد كل الحلول السياسية، وأعلن الكيان في شهر تموز/يوليو الماضي عن الانتهاء من إنشاء وتشغيل منظومة الدفاع الجوي المضادة للطائرات المعروفة بـ “سبايدر  Spyder-MR”  حول سد النهضة، ورفض “نتنياهو” أي طلب من جانب رأس النظام المصري لوقف العمل، وبالتالي فقد جعلت من مهمة ضرب السد مستحيلة، إذ إنه يعني على الفور مواجهة عسكرية مع الكيان، وهو ما لن يجرؤ أي منتمي لنظام كامب ديفيد على تخيله، فضلًا عن الإقدام عليه.

ببساطة ووضوح شديدين، يقدم الدرس المصري المأساوي النتيجة الوحيدة للتعاون مع الصهيوني، أولاد العم كما يسميهم الإعلام الخليجي الآن، التطبيع معهم معناه نهايتك، سيستغل الصهاينة الفرصة المناسبة للقتل، سيصبر ويخطط ويستكمل نسج المصيدة، حتى إذا سرى الاطمئنان سيذبحك، فورًا وبلا تردد.

والسؤال الأخير، هل قرأت أنظمة الحكم في الخليج الدرس، هل وعت مصير أول دولة سقطت في معاهدات الاستسلام مع الكيان العدو، أم هل تريد دخول الجحيم بقدميها، مع اندفاعها المتسارع إلى حضن الصهاينة؟!.

 

تليقرام انصار الله