عين على القرآن وعين على الأحداث

رحماءُ بينهم.. في مواجهة الحرب الناعمة

‏موقع أنصار الله || مقالات || أمين المتوكل

الإسلامُ، كدينٍ إلهي عظيم، أنشأ شبكةَ علاقات في هذهِ الحياة؛ بُغية توازن الإنسان وتكريمه والرقي به وبواقعه.

لم يغفلْ هذا الدينُ العظيمُ عن أية شاردة تلامسُ حياةَ الإنسان إلا ووضع لها توصيفاً، ودلّنا على كيفية التعامل معها حتى تستقيم الحياةُ التي من سننها وجودُ التضادَّات والتحديات.

أراد اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أن يعيشَ المؤمنون شبكةَ علاقات في المحيط بهم، ووضّح ماهية تلك العلاقات ونتائج الالتزام بها وكذا النتائج الوخيمة لمن أراد تجاوزها.

في خضم التحديات بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، لا بُـدّ أن تُطرَحَ أيقونة العلاقات بين الجبهتين، فمن المصلحة العليا للمسلمين أن تكونَ ماهية علاقتهم مع جبهة الكفر علاقة حِدَّةٍ وتنمّرٍ حتى يكونَ هنالك رادعٌ من شأنه الحفاظُ على جبهة الإسلام؛ لأن الله تعالى بحكمته عَلِمَ بما تُكِنّه أنفس الكفار وما يكتنفُه من شر في مخطّطاتهم.

ولكن.. لم يغفل الإسلامُ عن ماهية العلاقة الداخلية بين أفرادِ المجتمع الإسلامي أنفسهم، فكان وصفُ تلك العلاقة علاقةَ رحمةٍ، لم يقل اللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- بأنهم محترمون فيما بينهم، ولم يقلْ أن كُـلًّا منهم يُقدّرُ الآخر، بل كان مبدأُ العلاقة مبدأ الرحمة، سجية إنسانية سامية عالية لا يصل إليها الإنسانُ في علاقته مع الآخر بسهولة.

لطالما كانت علاقةُ الرحمة قائمةً بين الآباء وأبنائهم، وكذلك الأُمهات وأبنائهن، وكذلك بين الكبار والصغار؛ لما تستدعيه تلك العلاقة بينهم كأمرٍ فطري، ولكن أن ترقى علاقةُ الرحمة إلى أن تكونَ بين الأفراد، فهذا ليس من البديهي في أي مجتمعٍ مضى.

لطالما كانت العلاقةُ التي ينظر لها علماءُ الاجتماع بين أفراد المجتمعات قائمة على المصلحة، وَإذَا ارتقت فإنها قد تسمو إلى الإنسانية في لحظة طفرية تتراجع خطواتها حينما يمتلكُ أدعياءُ الإنسانية زمامَ الأمور، فيعودون إلى وحشيتهم كما حصل في الثورة الفرنسية على سبيل المثال لا الحصر.

لم نجد مجتمعاً يدعو إلى الرحمة المستدامة كما هو مجتمع الإسلام، وكما إن الإسلامَ دينُ عزّة وقوة فإنَّ هذه الدعوةَ دعوةُ قوة وعزّة؛ لأنها تحمل صورَ التماسك والمحبة.

لطالما سعى أعداءُ -في الماضي ويسعون اليوم- إلى التفكيك والتأجيج وبثِّ بواعث الفُرقة بين أبناء الإسلام كسياسةٍ معروفة هدفها إضعافُ الساحة الإسلامية وجعلها لقمةً سائغة سهلةَ الالتهام والتناول.

كانت هذه المساعي صورةً من صور الحرب الناعمة، فحين عجزوا أمام القوة الصلبة والإرادة الفولاذية لشعب من الشعوب في الحروب العسكرية توجّـه الأعداءُ إلى الحرب الناعمة، ومن أبرز صورها بناءُ معول هدم؛ ليهدموا جمالَ الرحمة كعلاقة بين المسلمين، فصاروا متناحرين فيما بينهم بدلاً عن أن يكونوا رحماءَ بينهم.

لا بُـدّ أن ندركَ أن هناك تسلُّحاً اسمُه تسلُّحُ الحب والرحمة فيما بيننا، فاليوم نرى أبطالَ القوة الصاروخية والطيران المسيّر يصنعون أسلحةً متطورة، حينها لا بُـدّ أن نؤازرهم بصناعة أسلحة الحب والرحمة فيما بيننا.

فالعدوانُ حين عجزت ترساناته من أن تتناول صواريخنا وطائراتنا، فإن لديهم بارقة أمل في أن يتناولوا أطرافنا، ولكن لا بُـدّ أن ندركَ هذهِ الحرب الناعمة بشكل استباقي، وأن نجعل قوله تعالى: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) في أولويات حديثنا وكلامنا ومحافلنا وتدريسنا، وأن نسعى إلى إخماد تلك الأصوات وفضحها ممن تسعى إلى إشعال جذوة التفرق والحقد بأساليبَ خبيثةٍ ومدروسةٍ بعدَ أن عجزوا لسنوات من النيل منا.

 

تليقرام انصار الله