أسئلة بلا إجابات في الإنفاق العسكري للسعودية

|| صحافة ||

شهد العالم العربي خلال العقد الأخير خسائر هائلة، وكارثية، بعد ما بدا أنه خليط من وهم الثورات وحلم الانعتاق من التبعية. وانزلقت الجماهير الزاحفة – في أغلب الحالات – إلى فوضى دفعت أوطاننا أثمانها غاليًا، من الدماء والثروات، ونزف المستقبل الكثير من إمكانياته. وإذا أضفنا خنجر التدخل الغربي الحاضر في خلفية المشهد، فإننا أمام كارثة عصفت بالمنطقة العربية كلها.

الخسائر العربية تجاوزت 800 مليار دولار، والتقدير للبنك الدولي، بجانب استمرار وتعمق المراحل الانتقالية المستنزفة للمزيد والمزيد من الأموال والأرصدة، فإن صراعات أخرى تجري على الأراض العربية، تدفع إليها أحلام الزعامة والقيادة الرعناء، وتغذيها أموال النفط، وتشحنها الهزات الداخلية والخونة المحليون.

في اليمن، التي ابتليت بشر جار، دخلت السعودية العام الخامس من عدوانها على البلد الطيب، مدعومة بتحالف من مصالح السلاح الغربي، الذي يريد الأرض دمًا ونارًا على طول الخط، ووجد محمد بن سلمان في الحرب التي أشعلها فرصة لتقديم نفسه كقائد من العصور الوسطى، التي لا تزال القصور الملكية بالرياض أسيرة لصورها وزخرفها، غير آبهة بالعالم الذي ودعها منذ زمن طويل.

ستنتهي الحرب في أيام، طالت الأيام لأسابيع وشهور وسنوات، ولن تحسم الحرب أبدًا كما اشتهى المغامر السعودي، وأصبح الخاسر الأكبر من وراء استمرارها، بجانب الموازنة السعودية التي دخلت دوامة عجز غير منتهٍ، ولا يظهر له منتهى في الأفق المنظور.

السبب المباشر للإنفاق العسكري المذهل كان إيمانًا سعوديًا لا يتزعزع بقدرة المال على كسب ود الإدارات الأميركية

البداية كانت من إعلان الملك السعودي سلمان لموازنة بلاده 2020، والأرقام كانت صاعقة بالفعل، معدلات نمو متدنية، عجز مستمر للعام الخامس، ضغط في الإنفاق، توقعات متشائمة لأسعار النفط، غياب أي -وكل- حديث عن خطة التحول الوطني 2020، والتي كانت أحد مسوغات دفع نجله المراهق لسلم عرش عبد العزيز، وفي النهاية سيتوجب على المواطن السعودي العادي دفع ثمن ما ينفقه ولي العهد في اليمن، برضا أو بالإكراه.

القراءة السريعة لموازنة السعودية للعام المقبل، 2020، تقول إن السعودية قررت ضغط الإنفاق من 1048 مليار ريال إلى 1020 مليارًا فقط، وبحساب نسب التضخم المنفلتة فإن نسبة ضغط الإنفاق تتزايد،  في مقابل خفض الإنفاق، وما يعنيه من تقليص المشروعات والخدمات الحكومية الموجهة لعموم المواطنين والمناطق، فإن الموازنة الجديدة شهدت عجزًا يبلغ 185 مليار ريال (نحو 50 مليار دولار) ارتفاعًا من 131 مليار ريال -العجز في 2019- أي 35 مليار دولار فقط.

وبموازاة الأرقام السلبية، فإن نمو الناتج المحلي لم يتعد 1.1% فقط سنويًا، وهي نسبة فاضحة لأولويات التخطيط السعودي، ولرؤية ولي العهد وجوقة المسبحين بحمده في الإعلام الخليجي.

الغريب أن الإنفاق العسكري تأثر هو الآخر بالتراجع للعام الثاني على التوالي، فانخفضت موازنة الدفاع، لعام 2020، والمقدرة بنحو 48.5 مليار دولار بنسبة 8% مقارنةً بعام 2019، والذي بلغت فيه 52.8 مليار دولار، من أعلى رقم مسجل في 2018، والذي بلغ 56 مليارًا.

الإنفاق السعودي يضع المملكة كدولة متفردة، تحتل المركز الثالث عالميًا، خلف الولايات المتحدة والصين، وقبل القوة العظمى روسيا، كما تؤكد تقديرات معهد ستوكهولم للسلام الدولي “سيبيري”، والذي يضيف أنه بينما تخصص أكبر 15 دولة من حيث الإنفاق العسكري قرابة 4% من ناتجها المحلي الإجمالي على نفقاتها العسكرية، نجد أن السعودية أنفقت 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2018 بعد أن أنفقت 13% في عام 2015، والطفرة السعودية مرتبطة بالطبع بحرب اليمن، والرغبة المجنونة في حسمها بأسرع وسيلة.

لكن السبب المباشر للإنفاق العسكري المذهل، والذي لا تعكسه وقائع الحرب في اليمن فعليًا، كان إيمانًا سعوديًا لا يتزعزع بقدرة المال على كسب ود الإدارات الأميركية، فالسعودية استوردت نسبة 68% من الأسلحة من الولايات المتحدة، و16% من بريطانيا، و4.3% فقط من فرنسا، والنسب تعكس بشكل واضح وكامل ترتيب أولويات السعودية خارجيًا، من الحليف الأهم إلى الحليف القديم، ثم فرنسا بدورها التقليدي في الشرق الأوسط.

الغريب في قصة التسلح السعودي هو غض البصر عن التغير العميق في ميزان القوى العالمية، والذي بدأ يميل بشدة للشرق، إلى روسيا والصين، والأخيرة مصممة على جعل القرن الحالي هو قرن التنين الصيني، سواء بصعودها الاقتصادي المذهل، أو في اقتحامها مؤخرًا لإنتاج أجيال جديدة من السلاح، خصوصًا الصواريخ فوق الصوتية والطائرات دون طيار، والتي تتفوق فيها -بالتأكيد- على الولايات المتحدة، بجانب الإنجازات المذهلة للمجمع الصناعي العسكري في روسيا، والتي يقل إنفاقها العسكري عن السعودية بنحو 10 مليارات دولار فقط!

الشهادة على التطور الروسي والصيني جاءت من العدو، القائم بأعمال وزير الحرب الأميركي، سابقًا، ورجل الصناعات العسكرية، باتريك شاناهان، اعترف في آذار/مارس الماضي، ومن داخل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، بالفشل في مجاراة التطور الروسي والصيني الصاروخي، وأكد ضرورة تركيز بلاده على إنشاء أسلحة وأنظمة دفاعية تفوق سرعة الصوت، واعترف بتخلف الولايات المتحدة في سباق التسلح بهذا المجال بشكل خطير وغير مسبوق، وهو التهديد الذي تسبب في إعلان دونالد ترمب الانسحاب من معاهدة الحد من الصواريخ النووية المتوسطة المبرمة مع موسكو في أثناء الحرب الباردة، كرد فعل على الإعلان عن الأسلحة الروسية الجديدة.

لكن، وإذا كانت السعودية تتحرك في الاتجاه الخطأ خارجيًا، وتتحالف مع قوة تفقد بمرور الوقت قدرتها وتفردها، فكيف تتحرك داخليًا؟ وهل تستفيد من الأسلحة التي تصدأ داخل صناديقها؟

ما جرى في صفقة اليمامة سيئة السمعة مع بريطانيا يعطي فكرة وافية عن الهدف السعودي من التسلح، وعن غياب فكرة التصنيع المحلي للسلاح، رغم إنشاء الشركة السعودية للصناعات العسكرية “سامي”، حسبما أعلنت السعودية في أيار/مايو عام 2017، ثم الإعلان عن إنشاء الهيئة العامة للصناعات العسكرية، فالأهداف كلها تنحسر في الرضا الأميركي، والأبواب المشرعة دومًا على المكتب البيضاوي، ولن يجرؤ حاكم سعودي من الأسرة المالكة على إغضاب سادة واشنطن، أو رجال المجمع الصناعي العسكري فيها.

 

المصدر: العهد الاخباري

 

تليقرام انصار الله
قد يعجبك ايضا