كيف قاد سيد الثورة معركة الصمود والتحرر؟.. المرتكزات الاستراتيجية لمواجهة العدوان في خطاب قائد الثورة (1-4)

‏موقع أنصار الله || مقالات || أنس القاضي

برز السيد عبدالملك الحوثي، كقائد جماهيري صاحب تأثير وإسهام في مجريات الواقع على الصعيدين المحلي والإقليمي، كانت الحاجة إليه نابعة من اتقادات الشعب والوطن اليمني، فكان السيد هو دلالة رمزية مصطفى (البردونية)، فالنشاط الجماهيري الكفاحي والجهادي لا يمكن أن يكون فعالاً إلا إذا نُظم وجرى توجيهه من قيادة مركزية، وتؤكد الخبرة التاريخية أنه ما مِن أمة بلغت أهدافها دون الاهتداء والاحتكام إلى ممثليها الطليعيين القادرين على تنظيم الحركة الاجتماعية وقيادتها، كما تشهد التجربة التاريخية بأن كثيراً من الثورات التي اكتملت فيها الشروط الموضوعية انتكست لوجود خلل في عاملها الذاتي سواء في عدم وجود القيادة أو عدم كفاءتها.

 

دور القائد في التاريخ

إن الإيمان بدور الجماهير الشعبية واعتبارها القوى المحركة للتاريخ لا يعني نفي دور الشخصيات القيادية، بل نتناول هذا الدور ونقيمه بالارتباط مع نشاط الجماهير الشعبية وفي المجرى العام لنضالها من أجل التحرر والتقدم.

تحضر الشخصيات القيادية التاريخية في مخاض ولادة الجديد وتهالك وسقوط القديم، في هذه المرحلة الحساسة من عمر الشعوب يتعين ويتطلب (من أجل نجاح قضية التغيير الاجتماعي والتحرر الوطني) بذل وإنفاق جهود فائقة للكشف عن إمكانيات وطرق النضال للوصول إلى الوضع الجديد وتحديد ملامحه، وتستدعي الحاجة والضرورة وجود الرائد والمرشد والقائد أي الفرد الأكثر قدرة من بين الجميع على معرفة الجديد وتفهمه واستنهاض وقيادة الحركة الجماهيرية أو الطبقة الشعبية إلى الواقع الجديد، النقيض للواقع السابق، سواء كان السابق استبداداً محلياً أو استعماراً أجنبياً أو الاثنين معاً، وفي غالب الأمر يوجد الاستبداد المحلي مرافقا للاستعمار الأجنبي، بل كثيراً ما يأتي العدوان الأجنبي عقب الثورة على الاستبداد المحلي، وهذه الحقيقة التي تجلت بعد ثورة 21 أيلول 2014م، لم تقتصر على الحالة اليمنية، ففي الثورتين الفرنسية والروسية جاء العدوان الأجنبي بعد إسقاط الثوار لقوى الاستبداد المحلية.

«إن الشخصيات البارزة تتمتع بقابليات تجعلها قادرة على تلبية الحاجات الاجتماعية الكبرى في عصرها، وهي تلعب دورا بارزا في حركة التاريخ بقدر قدرتها على استنهاض الحركات الاجتماعية، وبقدر ما ترى أبعد مما يراه الآخرون، وتشعر برغبة أشد منهم لتغير النظام القائم». (ما هي المادية التاريخية، دار التقدم – موسكو، 1986م، ص 308).

إن قوة القناعة الشخصية، هي أحد أبرز شروط النشاط العملي والنظري للشخصيات القيادية، وصلابة القناعة الشخصية مستمدة من العقيدة، والعقيدة في دلالتها الأوسع في علم الاجتماع: «هي منظومة آراء الإنسان في العالم، وفي مكانته في هذا العالم، هي مجموعة قناعات ومثل البشر العلمية والفلسفية والأخلاقية والدينية والجمالية، والعقيدة هي لب الفرد ونواته التي تتجسد فيها مبادئه وأفعاله وأهدافه الحياتية» (ما هي الشخصية، دار التقدم  موسكو، 1990، ص 180، 181).

إن تصور الإنسان عن مغزى الحياة هو ما يولد الحاجة إلى الاختيار، واختيار الإنسان لما يجب أن يقوم به ليس مسألة سهلة، بل قضية تتطلب شجاعة وطنية وصلابة عقائدية، خصوصاً حين يكون الاختيار متعلقاً بقيادة ثورة وشعب، والتصدي لعدوان امبريالي استعماري توسعي كالعدوان الغربي الخليجي على بلادنا.

إن المسألة الأساسية للعقيدة هي مسألة علاقة الإنسان بالوجود، وهذه المسألة تشمل مسائل منشأ العالم وجوهره ومستقبله ومغزى الوجود البشري وإدراك الذات ودلالة مفاهيم الحقيقة والضلال والعدالة والظلم والحق والباطل والخير والشر والحرية والاستعباد… الخ. والإجابات على هذه المسائل في فكر السيد عبدالملك الحوثي، تنطلق من معارفه القرآنية والإرث الفكري الذي أبدعه الشهيد حسين الحوثي، ويُمكن القول بأن هذه المعارف شكلت مواقف السيد قائد الثورة السياسية والاجتماعية والخلقية واكتسبت طابع القناعة الداخلية لديه، فأصبحت أساساً لنمط حياته، وترسخت طوال فترة نشاطه العملي والذهني في مواجهة الحروب العدوانية الظالمة على صعدة، ويتمثل أبرز عنصر من عناصر العقيدة في المثل العليا كونها أهداف الحياة المنشودة والحاسمة. ومن بين خطابات كثيرة للسيد قائد الثورة، فإنه يلخص أهداف الحياة المنشودة في العبارات التالية:

«وتذكروا وعد الله لكم بالنصر حين قال يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم، فانصروه ينصركم، واستعينوا به يعنكم، واذكروه يذكركم، وكونوا عند حسن الظن به، حتى يأتي يوم الله الموعود في نصر المستضعفين وهلاك المستكبرين، فينعم المظلومون بعدالة الله حين تتحقق في أرضه ويعم الخير والسلام، وينادي المنادي قد قطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين».

إن التوجهات القيمية عنصر بالغ الأهمية من عناصر البنية الداخلية للشخصية، والتوجهات القيمية لكل إنسان مرسخة بتجربته الحياتية وبكل معاناته، فما هو مهم وجوهري لفرد ما يعد غير مهم وغير جوهري بالنسبة لفرد آخر. ومن هنا وعلى الصعيد القيمي والفلسفي يفسر الاختلاف ما بين القوى والشخصيات التي اتخذت موقفاً مبدئياً من العدوان منذ بدايته، وانخرطت في مقاومته، وما بين الشخصيات التي تعاملت معه بانتهازية أو ادعت الحياد أو انخرطت في صفوفه. وعلى الصعيد القيادي للقوى السياسية اليمنية نجد أن العدوان الذي اعتبر السيد مقاومته قضية وجود وحرية، اعتبره الآخرون مسألة لا شأن لهم بها، أو اعتبروه فرصة مناسبة للعمل مع الأجنبي وإزاحة القوى السياسية المنافسة لهم في الداخل ولو عبر العدوان الأجنبي الاستعماري والتوسعي.

وقد اتسم قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي بوحدة الكيان والمصداقية والوفاء والقدرة على الكفاح في سبيل المثل والقيم والإصرار على بلوغ الهدف، وهي القيم والمثل الإنسانية والدينية والوطنية التي لطالما انعكست بشفافية في خطاباته، وهذا ما أعطاه حضوراً شعبيا، فإلى جانب ما تحلى به من هذه القيم الشخصية السامية، فقد أصبح السيد عبدالملك الحوثي قيمة بذاته لقطاع واسع من جماهير الثورة، لأنه عبر عن المصالح والاحتياجات والأهداف الاجتماعية لهذه الجماهير التي وجدت فيه تعبيراً عن آمالها.

لقد تمتع قائد الثورة بالحدس الخلاّق والإقدام الذي لا يشوبه أي تردد. وحين كانت تتعقد القضايا وينفتح الوضع على احتمالات عديدة، كانت تظهر عبقرية قائد الثورة وتميز بحس واقعي كبير على التمييز بين ما هو جوهري وأساسي وبين ما هو هامشي وثانوني، فكان يُقر تكتيكات معينة ولا يضمر أي تردد، متحلياً بالشجاعة، مما يولد ثقة لدى من توجه إليهم لتنفيذها من عسكريين أو سياسيين أو إداريين.

 

لقد أدى السيد عبدالملك الحوثي وأنصار الله دور طليعة الشعب في مواجهة العدوان 5 أعوام، والطليعة تمارس مهامها وأدوارها كطليعة فقط عندما تتجنب الاعتزال عن الجماهير، وتجسد طليعيتها بكل جدية كممارسة عملية، وهذا ما يقوم به أنصار الله، ويتطلب منهم التعمق فيه وتطويره، وخصوصاً الاختلاط مع الجماهير، والانفتاح مع كل من له مصلحة من الثورة الاجتماعية الديمقراطية والسيادة الوطنية، فليس هناك حد نهائي للتغلغل بين أوساط الجماهير والانفتاح عليها، ومن تجربة التاريخ ندرك أن جزءاً من أزمة الحركات الثورية كانت حين تنفصل هذه الحركات الثورية عن الجماهير أو تدعي التعبير عنها بدون التخالط معها ودون استيعاب أكمل لأوضاعها وطموحاتها، وهناك مقولة هامة لقائد الثورة البلشفية فلاديمير لينين، يقول فيها بأن «نهاية الشيوعيين هي حين يتحولون إلى بيروقراطيين» أي التحول من حركيين في أوساط الشعب إلى إداريين في الدولة والحزب، واستقلالية الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي عن الطبقة العاملة وتحول قياداته إلى موظفين حكوميين إداريين لا حركيين فاعلين، كان لهذا السبب دور في انهيار التجربة السوفياتية.

 

وضوح النظرة وصلابة المبدأ

صلابة موقف السيد عبدالملك الحوثي وحنكته القيادية، لها صلة مباشرة بنظرته لطبيعة العدوان على الوطن اليمني وعلاقته بما يدور في المنطقة، وكذلك بطبيعة قضية مواجهته، وطبيعة المسؤولية في هذه المواجهة، وهذا التقييم للمواجهة مرتبط بالجوانب القيمية والعقائدية والمبدئية لشخص قائد الثورة، المبادئ التي هي في نهاية المطاف الحقل الأيديولوجي الذي تتلخص فيه قضايا الشعب ومصالحه الاجتماعية الوطنية.

نظر قائد الثورة إلى العدوان على اليمن، كعدوان استعماري احتلالي توسعي للدول الامبريالية والصهيونية وأدواتها في المنطقة، وباعتبار العدوان على اليمن جزءاً من مشروع تفكيك المنطقة والهيمنة عليها. وعلى المستوى الداخلي اعتبر قائد الثورة العدوان استمراراً للنهج السياسي العدواني للولايات المتحدة الأمريكية والمملكة السعودية، واستمراراً لموقفهم المضاد لثورة 21 أيلول 2014م التي هي ثورة وطنية وضعت على عاتقها مهمة صون الاستقلال الوطني، رغم أنها رفعت عناوين مطلبية متعلقة بالجرعة السعرية وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني وإسقاط الحكومة الفاسدة.

في حوار مع صحيفة «26 سبتمبر» (في ذكرى ثورة 14 أكتوبر 2017م)، حلل قائد الثورة بشكل علمي السياسة التي أدت إلى هذه الحرب بشقي هذه السياسة، الوطنية اليمنية، والامبريالية العدوانية، قائلاً: «ثورة 21 أيلول/ سبتمبر صحيح أنها رفعت عناوين مطلبية، ولكنها في جوهرها وفي حقيقتها ثورة تحررية، ولهذا كان في مقدمة من وقف ضد هذه الثورة ومنذ اللحظات الأولى، سفراء الدول الـ10».

تليقرام انصار الله
قد يعجبك ايضا