صدى الأحداث والحاجةُ إلى التوعية

‏موقع أنصار الله || مقالات || د. أحمد عبد الله الشيخ أبو بكر*

كَـــثُــرَت في الآونة الأخيرة التحليلاتُ والتسريباتُ من هنا وهناك، وكُلُّــها تتحدَّثُ عما هو متوقع لمستقبل المنطقة عُمُـومًا واليمن على وجه الخصوص وما يخطط لها أَو بالأصح ما يدبر لشعوبها من أجندات شيطانية تحيكها دول الاستكبار التي تحكم العالم والتي وإن ادّعت أطرافها الاختلاف إعلامياً إلَّا أنها متفقة في الخفاء على توزيع مناطق نفوذها وأنصبتها من كعكة هذه الشعوب المغلوبة على أمرها بمشاركة وتسهيل وتآمر بعض أبنائها مع شديد الأسف، وهذا ليس بالشيء الجديد أَو المستغرب بل هو امتداد لـ سايكس-بيكو القرن الماضي.

كُـلّ تلك التحليلات والتسريبات تنبئُنا بمخاض عسير ينتظرُ المنطقةُ فيستبقونه بهذه التسريبات التي تهدفُ في الحقيقة إلى تزييفِ وعي الناس وقلب الحقائق والمفاهيم وإقناعنا بأن الأبيضَ أسودُ والأسودَ أبيضُ من خلال التكرار في الطرح والتنويع في الأساليب وإشاعة المغالطات وبلبلة الأفكار والباس الشياطين حلل الملائكة ودس السم في العسل لهذه الشعوب بالعزف على أوتار المظلوميات المحقة وتكريس المفاهيم الضيِّقة التي تتم تغذيتها بشكل متعمد، وهي دعاوى حقٍّ يراد بها باطل.

وما أريد التأكيد عليه بهذا الصدد هو:

أولاً: إن قضيةَ فلسطين كانت وستظل هي قضية العرب والمسلمين المحورية والمركزية وهي البوصلة الصحيحة لقياس حقيقة ونوايا حركة هذه المشاريع وصدقها وأهدافها الخفية، فكل من يحاول حرفَ هذه البوصلة عن وِجهتها الصحيحة إلى اتّجاه آخر لا يمكن أن يضمر الخيرَ لهذه الأُمَّــة ولو كان من أبنائها. وسيظل شعبنا اليمني وفياً لهذه القضية حتى وهو يتعرضُ للعدوان ويعاني من آثاره المدمّـرة؛ ولذلك فإن فلسطين واليمن كانت ولا زالت وستظل تمثل الرقم الأصعب في كُـلّ المعادلات وصفقات التسوية بفضل صمود أهلها وتضحياتهم التي تحطمت على أعتابها كُـلّ الصفقات والمؤامرات.

ثانياً: استحالة تغيير أَو إلغاء حقائق التاريخ وَالجغرافيا الثابتة على الأرض وفي الأذهان، حقائق الجغرافيا التي لم يختارها أحدٌ بإرادته وما علينا إلَّا التسليم بها، شئنا أم أبينا، وكذلك صعوبة تجاوز حقائق التاريخ الطويل والمشترك وعلاقاته الوثيقة والتي تحدّد لنا من هم جيراننا نحن العربَ منذ مئات السنين ومَن هم الدخلاء على منطقتنا والمغتصبين لأرضنا ومقدساتنا، الذين يراد فرضُهم علينا لنتقبلَهم كأشقاء وشركاءَ وليس كجيران فقط وأن نلغي مِن أجلِهم علاقاتِ الجوار الراسخة الموجودة على الأرض فعلاً منذ مئات السنين وأهم من ذلك كله الروابط الإنسانية وأواصر القربى التي تولدت وتعمقت بين الناس على مدى أجيال من هذا الجوار؛ ولذلك فإن كُـلّ المعادلات التي تتجاهل حقائق التاريخ والجغرافيا الثابتة مصيرُها الفشلُ، وأيُّ سوءٍ تفاهم قد يحدث بين الجيران شيءٌ واردٌ ويحدُثُ حتى بين الأشقاء ومصيره الحلُّ عاجلاً أَو آجلاً بحكم الثوابت القوية المشتركة.

ثالثاً: لا أحد يستطيع أن ينكرَ أن كُـلّ دولة من الدول المحيطة بنا كعالمٍ عربي، لها مشروعُها الخاص، وهذه حقيقةٌ لا يمكن إنكارُها، ولا يقتصرُ هذا على إيران وتركيا فقط، بل حتى إثيوبيا لها مشروعها وهذا من حقهم جميعاً، ولكن السؤالَ الجديرَ بالإثارة هو أين نحن العربَ من كُـلّ هذا؟ ولماذا لا يكون لنا مشروعُنا الخاص بنا الذي يحفظ مصالحنا بدل أن ننكر على الآخرين حقَّهم في امتلاك مشاريع لهم؟ وبدل أن نكونَ مُجَـرّد أدواتٍ لتنفيذ مشاريع الآخرين في بلداننا، نحن لا تنقصنا المواردُ المادية ولا البشرية ولا تنقصنا الكفاءات ينقصنا فقط الإخلاص لبلداننا ولأمتنا، علماً بأن هناك مشروعاً أعمَّ وأكبر وأهم يجب أن يجمعنا بهم وبغيرهم وهو المشروع الإسلامي المقاوم الذي يجبُ أن تنضويَ تحته كُـلُّ هذه المشاريع وتكون روافدَ قوة له لمواجهة المشروع الصهيو-أمريكي الذي يستهدف كيان الأُمَّــة ووجودها.

إن الأنظمة العربية الحالية لا تعدو أن تكونَ مُجَـرّد أدوات لتبديد ثروات الأُمَّــة وتفتيتها بأموالها إرضاء لمن يحمونهم للأسف. لقد أدمن البعض منا العمالةَ لأعداء الأُمَّــة، بينما أموالنا هي التي تديرُ آلاتهم الصناعية المدنية منها والعسكرية.

رابعاً: في بلادنا اليمن اليوم كمثالٍ للتدخلات في عالمنا العربي كُـلّ الدول الإقليمية والقوى العالمية لها مشاريعُها وتعمل على تنفيذ أجنداتها الخَاصَّة وبمساعدة البعضِ منا للأسف الشديد وتجيير كُـلِّ ذلك في النهاية لمصلحة العدوِّ الأول والاستراتيجي لهذه الأُمَّــة، ونحن اليمنيين نعرفُ هذا، فلماذا لا نلتقي نحن اليمنيين على كلمة سواءٍ ونحل خلافاتنا بأنفسنا ونجنِّبُ بلادَنا هذه الأجندات ونفشل مشاريع التقسيم والاستحواذ والهيمنة والسيطرة على مقدراتنا وثرواتنا وموقعنا الاستراتيجي وثروتنا البشرية الهائلة!!

ما لا يدركُه البعضُ منا أن هناك تلازُماً وثيقاً وارتباطاً مصيرياً بين ما يحاكُ لفلسطين وما يحاك لليمن، وأية محاولة لفك هذا الارتباط أَو التشكيك فيه إنما هي من باب التجهيل والتعمية على الناس؛ لإضعاف جبهتينا ولصرف الأنظار عن التركيز على الوجهة الصحيحة لحركتنا، وعلينا في اليمن أن ندركَ هذا ونكشفَه للناس وأن لا نكونَ ألاعيب بأيدي أعداء الأُمَّــة وأعداء اليمن لتقسيم بلادنا وتمزيقها وبث الفُرقة بين الناس وتمزيق نسيجنا الاجتماعي بإحياء النعرات المقيتة، فالواجبُ علينا أن نتنازلَ لبعضنا قليلاً وأن نعملَ على تقريبِ وجهاتِ النظر والمسافات ونردم الهُوة بيننا، فنحن أولاً وأخيرًا أبناءُ هذا البلد ولا يعيبُ الأخُ إذَا تنازلَ لأخيه؛ مِن أجلِ مصلحة يمننا وهي في الأخير مصلحة لنا جميعاً وفي بلادنا متسع لكل أبنائها.

اليمنُ أمانةٌ في أعناقنا جميعاً وسوف يحاسبُنا التاريخُ ولن ترحمَنا الأجيالُ القادمة ولن نسلم من لعناتها إن نحن فرطنا بأمانتنا ولم نرعَها حقَّ رعايتها؛ مِن أجلِ مصالح البعض المناطقية والطائفية والفئوية الآنية والضيّقة، واستمررنا على أن تتفرق أيادي سبأ مع سبق الإصرار والترصد، بدلَ أن تتكاتف وتتوحد، أليس فينا رجلٌ رشيد؟؟؟!!! اللهم فاشهد..

* عضو الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد

تليقرام انصار الله
قد يعجبك ايضا