امتداداتُ الولاية إلى شؤون البشر وواقع الحياة

|| صحافة ||

تمتدُّ ولايةُ الله إلى الجانب التشريعي، فاللهُ هو الملكُ وهو من يمتلكُ الحقَّ، جل شأنُه، أن يقولَ لنا: هذا حرام وهذا حلال..؛ لأَنَّنا ملكه، وما بين أيدينا كله ملكه، ثم هو جل شأنه الذي له الحق؛ لأَنَّه الحكيم العليم الخبير الرحيم القوي العزيز، الذي له الحق أن يتخذ أي قرار شاء، وَإذَا اتخذ قراراً أَو أمراً ما فباعتبار عزته وحكمته ورحمته، ليس مجازفة وليس عن جهل، وليس عن تصرف غير حكيم أَو عشوائي أَو غير ذلك.

إذاً فله ولايةٌ علينا في التشريع في أن يحل لنا وأن يحرم علينا، وأن يفرض علينا وأن يوجب علينا ما نعمل، وينهانا عما ينبغي أن ننتهي عنه إلى غير ذلك.

يقول الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي –رضوان الله عليه-: “هو وحده الذي له الحق أن يلي شؤونك، أن يكون هو وليك {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ} (البقرة: من الآية257) فهو وليهم في هذه الحياة، كما هو وليهم في الآخرة”.

فعندما نعطي حاكميةَ الله لمَن لا يكونُ على أَسَاسٍ من هدى الله، فنحن كمن يتجه بعبادته إلى غير الله، وفعلاً أذكر عند بعض العلماء من يعتقد هذه شركاً فعلاً، يعتبرها شركاً، أن تؤمن بحاكمية غير الله، أَو حاكمية سلطان ليس على أَسَاس من هدي الله، لا يمتلك شرعية تقوم على أَسَاس من هدي الله سبحانه وتعالى، فَـإنَّك قد أشركت بإلهك، قد أشركت بالله.

فهو الذي يشرع لعباده؛ لأَنَّه ليس باستطاعة أحد غيره، لا ملك من ملائكته المقربين، ولا نبي من أنبيائه المرسلين، ولا أحد من أوليائه، ولا أحد مهما بلغ ذكاؤه، أَو فطنته يستطيع أن يشرِّع للناس، وأن يرسم الهداية للناس في هذه الحياة بعيدًا عن الله، المسألة عميقة جِـدًّا.. الله هو الذي خلق الإنسان، وهو الذي خلق هذا العالم، هو الذي يعلم السر في السموات والأرض، يعلم أعماق النفس البشرية، لا يستطيع غيره أبداً أن يشرع على النحو الذي يمكن أن تسير الحياة عليه نحو السعادة، ونحو الاستقامة أبداً مهما كان.

ولهذا ترى بأنه حتى أنبياء الله -صلوات الله عليهم- إنما كانوا مبلِّغين لهدي الله، ولم يكونوا عبارة عن مشرعين هم، على الرغم من أنه قد أكملهم، واصطفاهم، فلم يأت ليكمل نبيه، ويصطفيه، ثم يقول له: أنت قد بلغت المرحلة فيما يتعلق بحرصك على الأُمَّــة، في كمالك الإنساني، فانطلق أنت وشرِّع للناس ما تراه مناسباً، وأنت موثوق بك عليهم؛ لأَنَّك رحيم بهم، وحريص عليهم.. ليس باستطاعته ـ حتى وإن كان حريصاً، وإن كان رحيماً، نبي من أنبيائه، أَو ملك من ملائكته، أَو أحد من أوليائه، أَو أحد من الناس جميعاً يستطيع، لا يستطيع مهما كانت نيته حسنة، مهما كان حريصاً أن يشرِّع هو للناس التشريع المستقيم.)) ([1])

وله علينا ولاية الرعاية والتدبير يرعى شأننا، في تدبير أمورنا وفي إدارة أمورنا، وتمتد ولايته إلى جانب الهداية والإرشاد، وهو جل شأنه من يقول في كتابه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ أُولئك أصحاب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 257].

والحالة الظلامية هي: مجموعة من الأفكار والمعتقدات التي تبنى عليها توجّـهات، وتبنى عليها أعمال وتبنى عليها مواقف، يبنى عليها مسار حياة، وإما أن تكون تلك الحالة الأُخرى حالة النور كذلك عبارة عن مفاهيم وأفكار وتعليمات وتوجيهات تبنى عليها توجّـهات، وتبنى عليها حتى المشاعر النفسية، وتبني عليها مشاريع عملية.

والنور هو: عبارةٌ عن مشروع ومنهج في هذه الحياة، فيه المعتقدات وفيه التعليمات وفيه التشريعات وفيه التوجيهات المرتبطة بواقع حياتنا في كُـلّ شئوننا، والحالة الظلامية هي: مجموعة من الأفكار الظلامية الخطيرة والسيئة التي هي أباطيل وضلالات تنحرف بالبشرية عن المسار الصحيح الذي يوصلها إلى رضوان الله، ويحقّقُ لها الدورَ الذي تشرف به وتسمو به في هذه الحياة، وتؤدي من خلاله دورَها في استخلافها في الأرض، ومسؤوليتها في الأرض على أرقى مستوى.

وعمليةُ الإخراج من الظلمات إلى النور، تتم من خلال إرسال الله إلى عباده رسلاً، يأتون بهذه التوجيهات والتعليمات من الله سبحانه وتعالى في كتب يأتون بها ويترافق مع الكتب الدور العملي المباشر مع ما يقدمونه ومع ما يبلغونه.

وبالتالي فَـإنَّ عمليةَ إخراج الناس من الظلمات إلى النور ضمن الولاية الإلهية، تعني أن جانباً رئيسياً من مفهوم الولاية الإلهية مثلما هو خَلَقَ، ومثلما هو رَزَقَ، ومثلما هو أحيا وأمات، ومثلما هو يدبر شؤون هذا الكون على نحو مُستمرّ في حركته الكبرى؛ حركة النجوم وحركة الأقمار وحركة الشمس وحركة الأرض، وما في الأرض من كُـلّ التصرف الإلهي في الإحياء والإماتة والخلق، وكل العملية التكوينية والتدبيرية الواسعة جِـدًّا في هذا الكون، جانب آخر من جوانب ولايته هو هذا الجانب، {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ} [البقرة: 257] وهذا المشروع يقوم عليه الأنبياء، يؤدون دورهم على أكمل وجه.

 

نظرةُ المسلمين للولاية:

وفي ساحتنا الإسلامية، تتفاوَتُ النظرةُ إلى الولاية الإلهية في امتداداتها الأُخرى، (امتداد الهداية، امتداد التشريع، امتداد الإرشاد والتوجيه للعباد) وللبشر، وتختلف النظرة من فئة إلى أُخرى من فئات المسلمين، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة اتّجاهات كالتالي:

الاتّجاه الأول: في العالم الإسلامي وهذا الاتّجاه يعتبر أن الولاية الإلهية في الحد الأكبر هي ولايةٌ خدميةٌ، فهم يرَون أن اللهَ سبحانه وتعالى معنيٌّ بواقعنا أن يخلُقَ وأن يرزُقَ وأن يحييَ ويميتَ وأن يشفيَ مرضانا، وأن يَمُنَّ علينا ويعطيَنا احتياجاتنا في هذه الحياة، وينتهي دوره هنا دون التدخل في شؤوننا.

الاتّجاه الثاني: لديهم نظرةٌ أوسعُ إلى الولاية الإلهية بأنها تتجاوز جانبَ تغطية احتياجاتنا في هذه الحياة، إلى جانب آخر وهو التشريع؛ بمعنى أنه يمكن لله جل شأنه أن يشرِّعَ لنا؛ باعتبَاره إلهَنا، وأن يحلَّ لنا شيئاً ويحرِّمَ علينا شيئاً آخر، ولكن من دون أن يتدخلَ في أية آلية ضامنة للتنفيذ والانضباط ضمن شرعه ونهجه وتعليماته، فيقدمونه أشبه ما يكون لديهم بمستشار قانوني يقول هذا جيد، وهذا غيرُ مناسب، دون أن يتدخل في آلية التنفيذ، وفي ما يضبط عملية التنفيذ، وفي ما يرعى مسار الأُمَّــة ضمن النهج الذي رسمه لها.

 

خطورة الرؤية المناهضة لولاية الله الشاملة:

كلا الاتّجاهين يريان في مسألة القيام بما يعنيه أمر الأُمَّــة وتوجيه الأُمَّــة بالتوجيهات العملية والإدارية التي تبنى عليها السياسات والمسارات والمواقف، وينظم على ضوئها واقع الأُمَّــة -حسب ما يرونه- أنه أمرٌ ليست لله أيةُ علاقة به، ولا صلةُ به، وأنه ينبغي الحيلولةُ دون أن يتدخلَ في الموضوع نهائياً، وإن هذا أمر إلى الآخرين، ومنشأُ هذه الرؤية هو الحقد والعصبيات والجهل والعمى وخطورة هذه الرؤية تتمثل في التالي:

1- فتحت المجال للجائرين وللظالمين وللفاسدين وللمستهترين لأن يأتوا هم فيتبوؤوا هذا المقام، ثم لا ذاك بقي الذي هو الشرع في أحكامه وفي منهجه على حسب ما يفترض أن يكون قائما في واقع الأُمَّــة، ولا المشروع الإسلامي في أبعاده الأُخرى وجوانبه الحضارية والتربوية وشؤونه الواسعة المرتبطة بطبيعة الدور العالمي المفترض لهذه الأُمَّــة، كُـلّ هذا وذاك ذهب ضائعاً.

2- أتاحت هذه الرؤية المجال وقدمت التبرير وَالشرعنة لأن يكونَ المعنيَّ بإدارة شؤون الأُمَّــة الإسلامية من هب ودب، دون معايير مستندة إلى هذا الدين، فالمعيار هو أن يتمكّن من الاستحواذ على واقع الأُمَّــة بقوة السلاح وإغراء المال، وليَكُن كيف ما كان. (جاهلاً أَو جائراً أَو فاجراً أَو ظالماً) ولا يمتلك أي معرفة، دينية أَو غير دينية، ويكون في نفس الوقت إنساناً متسلطاً، وجباراً، لا يمتلك الرحمة ولا الرأفة، وليس لديه أي مشروع للأُمَّـة نفسها، مفهوم الولاية عنده التسلط على الناس، وممارسة حالة التسلط بما يرتكبه من مظالم وجرائم، وما يجمعه من ثروات، وفي نفس الوقت هم يوجبون على الأُمَّــة كلها أن تطيعه شرعاً، وتصبح طاعته عملاً إيمانياً وعبادياً وقربة إلى الله سبحانه وتعالى، وأمرا يجب التسليم به، والخضوع والتقبل له.

3- مثلت إساءة بالغة إلى الإسلام؛ فقد جعلت الإسلام مطية للجائرين والجاهلين والفاسقين والظالمين والطغاة الذين ظلموا الأُمَّــة، وعبثوا بها وأفقدوا الإسلام قيمته في مشروعه الحضاري، وفي مشروعه التربوي، وأثره العظيم لإقامة العدل في الحياة.

4- جعلت هذه الرؤية من العدل أمراً هامشياً، وكأنه ليس من مطالب ومقاصد الإسلام، وقدموا صورة مختلة عن المشروع الإسلامي كمشروع للحياة.

5- هذه الرؤية تمثِّلُ الكهنوتَ بكل ما تعنيه كلمة الكهنوت؛ لأَنَّها أعطت سلطة مطلقة لا ترتبط بضوابط ولا بقيم ولا بمبادئ للطغاة والجائرين، وأعطتهم شرعية دينية في ذلك، وكأن الله سبحانه وتعالى العظيم العزيز والحكيم والعدل قد أعطاهم الشرعية والصلاحية الكاملة لفعل كُـلّ ذلك، في مقابل أن تخضع الأُمَّــة لهم. هذا هو الكهنوت وهي: الحالة التي كانت قائمة لدى الغرب في أُورُوبا في القرون الوسطى في سلطة الكنيسة التي كانت عبارةً عن ناس، يتصرفون برغباتهم ومزاجهم وأهوائهم، وعلى أَسَاس أن لهم سلطة وشرعية دينية، والآخرون عليهم أن يطيعوهم.

الاتّجاه الثالث: من يحملون ثقافة الولاية بحسب النص القرآني وبحسب ثقافة الغدير، وهي ثقافة تقدم رؤية مختلفة وإيجابية وبناءة وعظيمة، ولا يفترض النفور منها، الذي يفترض أن تنفر الأُمَّــة منه هي الرؤية التي ينتج عنها تمكين الطغاة والظالمين والجائرين والجهلة، الذين لا يمتلكون أية معايير أَو أية مؤهلات لأن يتربعوا على عرش الأُمَّــة، وأن يتدخلوا في كُـلّ شئون الأُمَّــة.

 

الرؤيةُ العقيمةُ التي ألحقت الأضرارَ الفادحة بالأمة عبر التاريخ:

ما ينبغي النفور والاشمئزاز منه هي هذه الرؤية العقيمة التي ألحقت الأضرارَ الفادحة بالأمة عبر التاريخ، وأوصلت الأُمَّــة الإسلامية في أزهى عصور الدنيا إلى أن تكون أكثر الأمم غبناً وجهلاً وتخلفاً وضعة وسقوطاً وتبعية للأمم الأُخرى، إذَا فهذه الرؤية الغريبة التي يفترض النفور والاشمئزاز منها، والانتقاد لها والاحتجاج الشديد عليها بأشد ما يمكن أَو يكون من العبارات والمواقف.

فلهذا نفهم كم هي قيمة كلمة: (ولي) أنه هو من يتولى مختلف الشؤون المتعلقة بك في إطار المهمة الكبرى المنوطة بك في مختلف مجالات الحياة وأنت تتحَرّك في المهمة الكبرى المنوطة بك: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّـة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (آل عمران: من الآية110) أليس هذا إطار واسع جِـدًّا جداً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ يشمل كُـلّ مجالات الحياة.

ومسؤولياتُنا ونحن نتجهُ إلى الإنسان لنبنيه، كيف نربيه، وكيف نثقفه، وكيف نعلمه، ومسؤولياتنا في بناء وعمارة الحياة ويشمل كُـلّ مجالات الحياة، ومسؤولياتنا في الصراع مع أعداء ديننا، وفي ميادين المواجهة معهم، وكل تلك المجالات وتلك المسؤوليات ننطلق فيها من واقع تولينا لله ومن واقع إيماننا به وليست أعمالاً مفصولة عن الدين، يقولُ اللهُ جل شأنُه: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (آل عمران: من الآية110).

ومن خلال ما سبق يجب أن يتحقّق في واقعنا التولي لله بمفهومه الصحيح، بما فيه من التزامات عملية والتزامات سلوكية، بحيث يكون واقعنا في سلوكياتنا في تصرفاتنا قائماً على أَسَاس هديه وأوامره وتوجيهاته، وأن نسعى لأن نكون من أولياء الله، بما وصفهم الله به من أعمال، وما وصفهم به من سلوك وما وصفهم به من التزام، تلك المواصفات المهمة التي تكرّرت في القرآن الكريم كَثيراً، وَإذَا تحقّق في واقعنا أن نكون من أولياء الله أن نتولى الله، سيكون الله معنا وسوف نواجه كُـلّ التحديات، وكل الأخطار بتغيراتها الحاضرة والمستقبلية.

 

صحيفة المسيرة

 

++++++

([1]) الدرس الخامس من دروس معرفة الله نعم الله- ألقاه السيد/ حسين بدر الدين الحوثي- بتاريخ: 22/1/2002م- اليمن – صعدة

 

تليقرام انصار الله
قد يعجبك ايضا