ابتعاد الأمة عن منهج الرسالة جعلها أمام مفترق طرق

وقد تسبب ابتعاد الأمة- مع امتداد الزمن- عن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في موقع القيادة والقدوة، وعن القرآن الكريم في موقع المنهج والإتباع والاهتداء في كثيرٍ من الأسس، والمبادئ، والأخلاق، والمسؤوليات، والتعليمات المهمة… تسبب في خسائر كبيرة، وأدَّى إلى تراجعٍ خطير في الوعي، والفهم، والمعرفة الصحيحة، وفي زكاء النفوس، ومكارم الأخلاق، وبالتالي في واقع حياة الأمة؛ فاتجهت الأمة في مسيرتها عبر الزمن- وللأسف الشديد- نحو الانحدار أكثر وأكثر، يقودها في ذلك، ويسير بها إلى هوة المهالك: سلاطين الجور، وعلماء السوء، الذين كانوا يحاربون- بشدة- أخيار الأمة، وصالحيها، والساعين إلى إصلاح واقعها عبر الأجيال، وتعيش الأمة اليوم محنة الانقسام الذي جعلها أمام مفترق طرق:

إما طريق النفاق الذي يسعى دعاته لأن يبقى الإسلام مجرد حالةٍ شكلية، وطقوسٍ باردة، بينما يكون أهله جندًا مجنَّدين، وخدمًا مطيعين لطاغوت العصر المستكبر، المتمثل بأمريكا وإسرائيل، وتتحول الأمة المسلمة بكل طاقتها وإمكاناتها وثرواتها واهتماماتها إلى رصيدٍ إضافيٍ، يعزز من سيطرة أمريكا ومن نفوذها وهيمنتها على المستوى العالمي، ويتحالف مع إسرائيل تحت الراية الأمريكية ضد كل صوتٍ حرٍ، وضد كل حركة تسعى للاستقلال، وتعمل من أجل حرية وكرامة الأمة، وهذا يمثِّل انحرافًا كبيرًا وخطيرًا حذَّر منه القرآن الكريم، ونهى الله تعالى عنه أشد النهي، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: الآية51]،

وقال تعالى: {لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: من الآية28]، وقال تعالى: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً} [النساء: 138-139]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً} [النساء: 144-145].

وإما طريق الحرية والاستقلال والكرامة على أساسٍ من هويتنا الإيمانية، وانتمائنا للإسلام، هذا الطريق الذي فيه خير الدنيا والآخرة، وأساس هذا الطريق هو بالاقتداء برسول الله -صلى الله وسلم عليه وعلى آله- والتمسك بالقرآن بشكلٍ صادق، وأول شاهدٍ على المصداقية في ذلك: هو التحرر من التبعية لأعداء الإسلام ومن يواليهم، يقول الله -سبحانه وتعالى-: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: الآية3].

فبالاستقلال الفكري والثقافي تتحقق الحرية، وننال الاستقلال التام عندما ننطلق في مسيرة حياتنا وفي مواقفنا على هذا الأساس، ولو واجهتنا صعوباتٌ في هذا الطريق، وكلفنا ذلك التضحيات، فالكلفة في ذلك أقل وأيسر من كلفة التبعية للأعداء والاستسلام، بما لذلك من تبعات المذلة، والقهر، والخزي، والاستعباد، والظلم في الدنيا، وجهنم في الآخرة.

 شعبنا العزيز، أمتنا الإسلامية: إن عاقبة الصبر على المعاناة في سبيل الله تعالى، وفي سبيل أن نتحرر من سيطرة الطاغوت والاستكبار، وأن نسعى لأداء واجبنا، والنهوض بمسؤوليتنا لمواجهة الطغيان والعدوان، وتحقيق الحرية والاستقلال، ومن خلال الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه؛ عاقبته الخير والنصر والظفر، وبذلك نطق الوعد الإلهي في القرآن الكريم، قال تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: من الآية47]، وقال تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: الآية128]، وإن الصعوبات في هذا الطريق يومًا ما يتم تجاوزها،

وإن الله يقول: {سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} [الطلاق: من الآية7]، وعن النبي -صلى الله وسلم عليه وعلى آله-: (إشتَدِّي أَزمَةُ تَنفَرِجي)، وإن التاريخ يشهد بذلك في حركة النبي -صلى الله عليه وعلى آله- وقد واجه المسلمون تحت رايته تحدياتٍ كبيرة، منها غزوة الأحزاب التي قال الله تعالى بشأنها: {إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} [الأحزاب: 10-11]، وغيرها من التحديات، وفي الأخير تحقق الوعد الإلهي بنصر الله وبعاقبة التمكين لعباده المتقين.

 

الله أكبر
الموت لأمريكا
الموت لإسرائيل
اللعنة على اليهود
النصر للإسلام

السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي

من خطاب السيد بمناسبة المولد النبوي الشريف 1440هـ

تليقرام انصار الله
قد يعجبك ايضا
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com